البحوث و الدراسات

إستراتيجية القتال تحدّد التفوّق في المعركة “شمال غربي سوريّا نموذجاً”

 

توضع في التحضير للحروب الأهداف والمنشآت الحيويّة المؤثّرة لدى الخصم أهدافاً أولية، لما لتأثيرها المادي والمعنوي، ويبدو أنّ تركيا من التجهيزات العسكرية التي أوفدتها إلى شمال غربي سوريّا تريد -إن نشبت الحرب- ألّا تكون العملية طويلة، ويدلّ على ذلك أيضاً حجم القوات البرية التركية التي أصبحت في الداخل السوري(8% من الجيش التركي)، وتُزاد على الأوراق التركية على الساحة السورية الحدود المفتوحة وتوفّر الإمداد اللوجستي المفتوح للقوّات؛ وهو ما لا يتوفّر لدى روسيا، وباتت تحسب له حساب بعد منع طائراتها من عبور الأجواء التركية، بل عرض خبراء روس تخوّفهم من هذه المسألة إن نشبت الحرب وطالت مدّتها ومنعهم الأتراك من استخدام المعابر الجوّية والبحرية، وتأثير ذلك على مضاعفة الإنفاق المادّي لإمداد وتأمين قوّاتهم، فعلى سبيل المثال تحمل معاهدة مونترو التي وُضعت حيّز التنفيذ عام 1936م أهمية كبرى بالنسبة إلى تركيا؛ لكونها تنظّم حركةَ مرور السفن الحربية والتجارية عبر المضائق التركية إلى البحر الأسود ومدّةَ بقائها في هذا البحر، كما تُحدّد بنودُها عدد السفن الحربية والتجارية التي ستمرّ من المضائق التركية، وأنواعها، ووزن الحمولة المسموحة لها إذ ” اُتُّخِذ الأمن التركي أساساً في صياغة هذه البنود”، وكانت هذه المعاهدة تمثّل صمّام أمان بالنسبة إلى تركيا والدول الغربية في مواجهة التهديدات السوفيتية أثناء الحرب الباردة.

 

من تحرّكات الطرفين واستعداداتهما نستنتج أنّ هناك اختلافاً في آلية الحرب بين الطرفين إن نشبت؛ فتركيا تريد حرباً خاطفة سريعة مؤثّرة، ويدرك الروس ذلك، والدليل عليه التصريحات الليّنة من المسؤولين الروس التي ترافق أيّ عمل للفصائل والجيش التركي، ومثاله ما صرّح به “لافروف” أثناء عملية تحرير “النيرب” عن مشاورات بين تركيا وروسيا حول الشمال السوري، ويريد الروس إستراتيجية عسكرية بطيئة على وفق المعطيات الحالية، وربّما أفصحوا عنها ممّا أسموه ب”دبيب النمل”.

لذلك فحجم القوّات ونوعيّتها يمكن أحياناً التغلب عليها بواسطة خطط التحرّك والهجوم، ولهذا بات العتاد العسكري في المعرض وصالاتِ الشراء، أمّا التكتيك والتخطيط فهي تبقى سرّية، ولا يُفصح عنها إلا عند بدء العمل.

 

أما لماذا تندلع المواجهة بين تركيا وروسيا؟ يمكن وضع ثلاث حالات لهذا الأمر:

1– الاستعداد للحرب يلغيها، وربّما هذا ما تقوم به تركيا.

2– بعد افتتاح خطّ الغاز بين روسيا وتركيا أعتقد أنّ المصالح إلى حدّ ما باتت قريبة التأثير من بعضها كلّ طرف على الآخر.

3 – فصل ملفّ إدلب وشمالي سوريّا عن الملفّات المشتركة بين البلدين.

 

في الجانب الآخر من التطوّرات على الساحة السورية، فروسيا لاتزال تتفوّق في الحرب الدعائية النفسية، وذلك بواسطة استمرارها في تكرار عدم تطبيق اتّفاق “سوتشي” وتحميل تركيا المسؤولية وعدم فصل المعارضة المعتدلة عن الإرهابيين، ومحاولتها دائماً إيجاد هوّة بين السوريين و تركيا في الشمال، ولا أستغرب بعض مقاطع الصوت التي تنتشر عند كلّ عمل -في الغرف التي تتعلّق بهذا الأمر- أن تكون هي والنظام وراءها، وهذا الجانب يكاد يكون شبه مفقود لدينا.

 

لكن من بنك الأهداف الموضوع الذي بات يتكشّف من التحضيرات فإنّ الحرب بينهما تبقى قائمة(كتمركز القوّات التركية في بلدة “كنصفرة” وهي مزوّدة بوسائط صاروخية أرض – أرض يصل مداها حتى /250/ كم قادرة اليوم من هذه المنطقة الحاكمة على إخراج مطاري “حميميم وحماة” عن العمل إذا ما نشبت الحرب بين الطرفين، فضلاً عن أنّ “سهل الغاب” كلّه أصبح تحت مرمى المدفعية التركية، ولهذا جنّ جنون الروس وقاموا باستهداف الرتل العسكري التركي المتّجه إلى المنطقة)، ويتحضّر لها الطرفان وربّما الجانب التركي بطريقة أكبر، ويمنع من هذا التحضير من قِبَل الروس الغطرسةُ من جانب، والتلويح باستخدام الطيران ضدّ الأتراك أكثر من مرّة من جانب آخر، إلا أنّ الموقف التركي الذي يعمل على امتصاص رعونة الروس وضبط الموقف حتى الآن ليس عن ضعف به أو بالجيش الوطني السوري الذين خاضوا معاً معارك درع الفرات ضد تنظيم “داعش” وداعميه، ومعارك غصن الزيتون ونبع السلام، إنّما مردّ ذلك القِيَم التاريخية والإنسانية المعروفة في بطون الكتب عن الجانب التركي، ومبادئ الحقّ والسلام التى خرّجت مقاتلي الجيش الوطني لتكون واقعاً ملموساً ومعلماً حيّاً في سوريّا.

 

بقلم: النقيب رشيد حوراني

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق