المقالات

من دروس كورونا

 

 

العالم كلّه منشغل بفيروس كورونا، فقد عطّل الحياة العامّة، مطارات أُغلقت، ورحلات أُلغيت، وحياة اجتماعية تعطّلت، أفراح أُلغيت، وعزاء تقلّص، ومشاريع توقّفت، وأناس فرضت عليهم إقامة شبه جبرية في دورهم، وآخرون احتبسوا في غير بلادهم ولا يستطيعون العودة إليها، وآخرون تعطّلت مصالحهم، وبلاد لم تَعُدّ مستشفياتها تستقبل المرضى والمصابين، وخرج الوباء فيها عن السيطرة، وبورصات هوت، ومصانع أُقفلت، وميزانيات تأثّرت واضطربت، ومؤسّسات تعليمية أُغلقت، وأنشطة ثقافية ورياضية وسياسية تأجّلت، وإعلان حالة الطوارئ والتعبئة العامّة في بعض الدول، والأمور تمضي في كثير من البلاد نحو منع التجوّل، كثير من الناس في حالة ذهول وصدمة، وآخرون في حالة هلع شديد، والكلّ يترقّب ويتابع، فالمعلومات كثيرة، والأرقام تتضاعف، والأزمة تتفاقم، والتحليلات والتوجيهات لا تتوقّف، والخسائر البشرية والاقتصادية لا يمكن لأحد أن يتكّهن بفداحتها، وشبح الكساد العالمي يلوح في الأفق.

 

وحيال هذه النازلة التي أتى مثلها على البشرية من قبل، لكن لم تعاينها الأجيال الحاضرة، لكنّها سمعت بها وقرأت عنها، واليوم بدأت تراها عياناً، ومن واجبنا –بني البشر- أن نستجلي العبر ونستخلص الدروس، ومنها:

 

الأوّل: عظمة الله وقدرته، في مقابل عجز الإنسان وضعفه، صحيح أنّ العلم قد تقدّم، وكثير من الأمراض الفتّاكة قد قضي عليها، وصار لبعضها لقاحات أو علاجات(كالحصبة والجدري وغيرهما)، مع هذا يظهر بين الحين والآخر أمراض جديدة، يحاول العلماء إيجاد علاج لها (كجنون البقر وأنفلونزا الطير وكورونا في نسخها السابقة)، ويعلم الجميع أنّ هذه الأمراض يسبّبها فيروس لا يُرى إلا بالمجاهر الإلكترونية.

هذا الفيروس الذي فعل هذه الأفاعيل التي نراها اليوم ونتابعها يثبت ضعف الإنسان وعجزه ولو غرّتك قدرته وإمكاناته المتنوّعة علمياً ومادّياً، ولو تفاقمت الأزمة -لا سمح الله أكثر من ذلك- فسوف يتصوّر الناس الساعة وما سيقع بين يديها وسيفهمون أكثر معنى قوله تعالى:{وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا}، وسيدركون هشاشة الحضارة المادّية على كثرة منتجاتها وتنوّع بهارجها{حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازيّنت وظنّ أهلها أنّهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلًا أو نهارًا فجعلناها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس}. ويتجلّى الضعف البشري في نموذج الذين تحميهم الحراسات والجنود وأسباب الحماية المتنوّعة، فقد وجدنا كثيراً من المسؤولين المرموقين من وزراء ومستشارين ومن يلوذ بهم قد نال منهم الفيروس، فجعلهم في أماكن الحجر الصحّي، وبعضهم لقي حتفه، وبعضهم على شفا الهلاك، فلم يكُ ينفعهم حرس ولا حذر، ثمّ إنّ بعوضةً قتلت النمرود كما يُروى، وانشقت الأرض وابتلعت قارون، فقد أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وحفظ الله بدن فرعون بعدما غرق ليكون لمن خلفه آية، فهل من معتبر!

 

الثاني: نظرة قدرية، الإسلام يقرّر أنّ الحياة كلّها ابتلاء، وما يقع على الناس من بلاء وكوارث هو من جملة الابتلاء، وعِلَلُه بالنسبة إلى البشر متعدّدة ومتنوّعة، فبعض الناس يكون هذا البلاء عقوبة لهم بما كسبت أيديهم قال تعالى: {ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} وقال:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}، وقد يكون البلاء لبعض الناس تنبيهاً من غفلة أو تذكيراً بنعمة أو تطهيراً من ذنب أو رفعاً لدرجة، ولله الحكمة البالغة يفعل ما يشاء، وهو على كل شيء قدير.

 

الثالث: نظرة شرعية، يتّفق الناس جميعاً -على اختلاف مللهم ونِحَلهم- على قضية الأخذ بالأسباب المادّية، سواء أكانت وقائية أم علاجية، وهذا ما نراه اليوم ونسمعه من إجراءات عملية وتوجيهات وقائية، لكنّ المؤمنين يتميّزون عن غيرهم عِلاوة على ما ذُكر بالأخذ بالأسباب المعنوية(كالتسليم لأمر الله والتوكّل عليه والرجوع إليه، ويلهجون بالدعاء والذكر والاستغفار، ويهرعون إلى التوبة إلى الله والإقلاع عن الذنوب والمعاصي وردّ المظالم إلى أهلها)، وفي ظروف المحن والنوازل يكثر المحتاجون إلى المساعدة المادّية والمعنوية، وتبرز في صفوف المؤمنين قيمة التراحم والتعاطف والتعاون، يلتمسون من وراء ذلك رحمة الله تعالى تصديقاً لقوله عليه الصلاة والسلام: “الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”.

 

الرابع: المركب الواحد، عندما يتحدّث المفكّرون عن البيئة والحفاظ عليها يتبنّون مقولة(كلّنا في مركب واحد)، ويعني كلّ من يُخلّ بالبيئة بسبب الانبعاث الغازي والحراري سوف يعود بالضرر على أهل الأرض جميعاً(ركّاب المركب)، وهذا ما يلزم الدول بالتواصل فيما بينها وعقد الاتفاقات مع العداوات القائمة والمصالح المتنافرة، وتمثّل الكوارث والأوبئة فرصة للتواصل وتبادل الخبرات والمعلومات؛ لأنّ هذه الأوبئة عابرة للحدود ولا تتوقّف عند الخطوط الحمراء السياسية.

ولعلّ هذا الفيروس يقلّل من الاحتقان العالمي والحروب الباردة التي تتجلّى بصراعات بالوكالة تُدار في كثير من البقاع، ولعلّ أثمان الأسلحة الفتّاكة تُصرف على أبحاث العلاج والوقاية من الأمراض والأوبئة.

 

الخامس: الشفافية، وجدنا كثيراً من الأنظمة في أنحاء العالم تجلّت إدارتها للأزْمة بالشفافية، وهذا من أهمّ عناصر الوقاية والتخفيف من الآثار وطمأنة الناس، فحبّذا لو كانت هذه الشفافية تُمارس في كلّ جوانب الحياة ومرافق الدولة، على حينَ رأينا بعض الدول التي ما زالت تُصنّف من دول الستار الحديدي تواصل أسلوب التكتّم والتعمية والتضليل، ممّا يجعل الناس يدفعون ثمناً باهظاً لهذا التكتّم والتعمية.

بعض الدول ما زال الإنكار فيها سيّد الموقف، وتصرّ بياناتها وتصريحات مسؤوليها على السلامة التامّة من الوباء المنتشِر، ويعرف القاصي والداني كذب هذا الادّعاء؛ لأنّ هذا الأمر لا يمكن إخفاؤه والتكتّم عليه مدّة طويلة من الزمن، ويمثّل النظام السوري مثالاً صارخاً لهذا النموذج، وبعضها لا يمكنها التكتّم على وجود الوباء، فتتلاعب بالأعداد والتفاصيل، وهذا ما حدث في إيران أوّل الأمر حيث صُرِّح بإصابة العشرات، والواقع يشير إلى أنّ عدد الإصابات كان في الأقلّ بالمئات، ويدفع الشعب الإيراني اليوم ثمن هذا التكتّم والتضليل في متوالية هندسية متسارعة في عدد الإصابات والوفيات.

 

وفي الختام لو ثبت أنّ هذه الأزْمة حدثت بفعل فاعل وتدبير مدبّر، فعلى الدنيا السلام، وهذا يشير إلى أزْمة أخلاقية لا يُجدي معها أيّ تدابير وقائية أو إجراءات احترازية، وعندها يحتاج العالم إلى علاجات من نوع آخر، تتميّز بإعادة النظر بالقِيَم والمبادئ، ولو لم يحدث ذلك سيعاني العالم من أزْمة تلو أخرى، كلّما رأى شياطين الإنس أنّ الأوبئة والكوارث هما طريق الاستحواذ والاستئثار.

نسأل الله العفو والعافية.

بقلم: د.معاذ مصطفى الخن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق