المقالات

مجزرة الساعة في حمص

‏قبل أيام من اعتصام الساعة كثرت المظاهرات في أحياء حمص بشكل كبير وبشكل يومي، فشعر النظام بخطورة الموقف فقرّر ضرب حمص بضربة قوية تؤدّب أهلها وغيرهم من المدن الثائرة.

 

‏في يوم(الأحد 17نيسان 2011م) مساءً خرجت عدّة مظاهرات في مناطق سوق الخضار والمريجة وباب السباع وحي الخضر، فتصدّت لها مجموعات من عناصر المخابرات والشرطة وعناصر مدنية طائفية مسلّحة تُسمّى “‎الشبّيحة” وأطلقت النار على التجمّعات.

‏فقُتل عدد من الشهداء على أبواب بيوتهم في عدّة أحياء، وكان عددهم بين 11 إلى 18 شهيداً.

‏معظم هؤلاء سقطوا بأوامر مباشرة من المقدّم “حيدر حيدر” وهو رئيس قسم شرطة باب السباع، وانتشر خبر المجزرة في كلّ حمص.

 

‏في اليوم الثاني(الإثنين 18نيسان 2011م) لبست عمامتي وقلت في نفسي: لم يترك هذا النظام للصلح مطرحاً فمررت بشارع الدبلان وصرت أطلب منهم إغلاق المحلّات.

‏ومساء صار التجار يغلقون محلّاتهم على عجل حتى اجتمعنا عدداً كبيراً ومشينا معاً إلى الجامع الكبير بحمص لنصلّي على جثامين الشهداء.

‏وصلنا لباب المسجد وكان قد اجتمعت جموع كبيرة تُقدّر بالآلاف في داخله وخارجه، وهو من أكبر مساجد حمص.

 

‏لحظة رآني المتظاهرون حملوني على الأكتاف وهم يهتفون بصوت واحد:(قول الحق قول الحق ).. فهتفت فيهم وخطبت بكلمات حماسية ثمّ دخلت المسجد للتنسيق مع الشيخ “سهل جنيد”.

 

‏ثمّ توافدت بقيّة الجثامين وحضرت صلاة الظهر، فصلينا الظهر، وخطب عدّة مشايخ خطباً حماسية وكذا بعض أفراد من عائلات الشهداء ثمّ خرجت الجموت الهادرة.

 

‏فوجئنا في الخارج بمشهد لايمكن وصفه عشرات آلاف الأحرار يهتفون بهتافات الثورة وإسقاط النظام، وكانت المرّة الأولى التي يخرج فيها للعلن شعار إسقاط النظام.

‏ومضت الجموع إلى مقبرة “الكثيب الأحمر”، وهي مدافن الصحابة والصالحين من أهل حمص وكان الدفن فيها ممنوعاً منذ سنوات.

 

‏أثناء سيرنا باتجاه المقبرة لابدّ أن نمرّ في حي الحميدية العريق، وهو حي يقطنه أكثر النصارى الموجودين في حمص، وكانوا متفاعلين مع الحشود الغفيرة يهتفون بهتافهم إمّا بالمشاركة العملية، حيث انخرطوا مع الحشود، وإمّا من على شرفات منازلهم بالتلويح والتصوير، وأغلب مشاهد الحي صُوّرت بأيديهم.

 

‏بعد دفن جثامين الشهداء تداعت الحشود للاجتماع حول الساعة الجديدة، وتوجّه الآلاف إلى ساحة الساعة في وسط حمص وافترشوا الأرض والأرصفة في ظلّ غياب واضح لأجهزة الأمن التي أُصيبت بالهلع.

 

‏وبدأت الزحوف البشرية المسالمة تأتي من كلّ حدب وصوب، وقد انتشرت أخبار الاعتصام في أنحاء سوريا فهبّ الريف الحمصي هبّة رجل واحد، وجاؤوا من كلّ القرى والنواحي إلى حمص، وجاءت حشود من حماة، ولم يبقَ في حمص رجل ولا امرأة ولاطفل إلا شارك في هذا الكرنفال الشعبي المهيب.

‏ومن كلّ الشرائح المجتمعية من علماء ومثقّفين وأطبّاء وصحفيين وتجّار وطلّاب وأصحاب المهن.

 

الأجهزة الأمنية والمحافظ الجديد ورئيس فرع الحزب وقيادات الفِرق العسكرية الموجودة في حمص وشخصيات أمنية رفيعة المستوى جاءت من دمشق وعقدوا اجتماعاً طارئاً في فرع الحزب، وأقاموا مايشبه غرفة عمليات عسكرية لبحث كيفية تفريق الاعتصام.

 

‏ومنذ الساعات الأولى لم يكن النظام يفكّر بحلول إلا الحلول الأمنية العسكرية قتلاً وجرحاً واعتقالاً، فاستقدم من دمشق قوّات خاصّة بلباس أسود مميّز ومدجّجة بالسلاح تولّت قضية القيام بالمجزرة وتفريق المتظاهرين وقتلهم.

 

‏هناك حول الساعة كانت الخطب الحماسية والهتافات الداعية لإسقاط النظام، ونُصبت الكاميرات وأجهزة البثّ المباشر.

 

‏وهنا بدأت مرحلة الاتصالات والضغوطات الأمنية تتوالى، فكان الهاتف لايهدأ لحظة من قادات الأجهزة الأمنية ورؤساء الفروع تهديداً أو استفساراً، ثمّ فوجئنا بوجود أشخاص يلبسون ثياب المتديّنين ولهم لحى يهتفون بشعارات طائفية ضدّ العلويين، ولكنّنا لانعرفهم، فكنت أسأل بعض المشايخ من هذا؟ فيقول: لا أعرفه لم أرَه…

 

بعد ‏صلاة العصر بدأت حشود العناصر الأمنية تأتي وتقف مُطوِّقة منافذ ساحات الساعة.

‏هنا ظهر أول بيان لوزارة الداخلية يقول: إنّ مجموعات سلفية متطرّفة اجتمعت في وسط حمص واحتجزت المواطنين بهدف إقامة إمارة سلفية، فعرفت حينها المقصود من دعوة المسؤول لنا لوجود المتديّنين حول الساعة، وعرفت من أين جاء الملتحون.

 

‏هنا بدأت الأخبار ترد للساحة بأنّ حشوداً عسكرية تطوّق الساحة وتستعدّ لارتكاب مجزرة رهيبة، فاجتمع عدد من المنظّمين وتباحثوا حول قضية الانتقال من حول الساعة إلى حي الخالدية والاعتصام بجامع الصحابي “خالد بن الوليد”؛ نظراً لوجود المواضيء والحمّامات التي يحتاج إليها المتظاهرون، ‏وتحسّباً لهجوم مفاجيء، فحينها يجد المتظاهرون مكاناً آمناً، وفعلاً توجّه البعض إلى هناك وصاروا يتّصلون بي يقنعونني بإقناع المتظاهرين بالتحوّل إلى جامع خالد بن الوليد، ولكنّني لم أقتنع بالفكرة وحاولت إقناعهم بفكرتي فلم يقتنعوا فعادوا.

 

أمّا الشيخ “عمر شمس الدين” فقد خطفوه من بيته، ثم عذّبوه عذاباً شديدلً ثمّ قتلوه.

 

‏وبسبب التعب عدت إلى البيت وهناك تواردت الاتصالات من قنوات الجزيرة والجزيرة الإنكليزية والعربية والبي بي سي وأ يضاً من فرع فلسطين وعدد من الفروع الأمنية.

‏مساءً أردت العودةّ ولكنّني علمت أنّ منافذ الساحة مُطوَّقة فلم أدخل خشية الاعتقال.

‏لكنّني كنت أفكّر في مصير هؤلاء الناس المحاصرين حول الساعة وفيهم نساء وأطفالّ كيف سيكون مصيرهم وكيف سيتعامل هذا النظام معهم؟ فرحت أدعو الله.

 

‏بعد منتصف الليل جاءني مجموعة من المشايخ فيهم الشيخ سهل جنيد والشيخ فارس سلمون و13 آخرين لإيجاد حلٍّ، وقالوا لي: نحن أتينا الآن من اجتماع في فرع الحزب وفيه قيادات أمنية وعسكرية من الفرقة الرابعة ومعهم على الخطّ وزير الداخلية وهم يستعدّون للقيام بمذبحة يتكلّم بها التاريخ تشبه مذبحة “سريبرينيتسا” في البوسنةّ وأمامكم ساعتان فقط لتوقفوا المذبحة.

‏وكان المتكلم اللواء علي يونس.

وبعد المشورة قرّرنا الذهاب لساحة الاعتصام لنقنع الشباب بفضّه.

 

‏تكلّم الإخوة مع الضابط واتصل بالقيادة، قالوا له أدخلهم إلى الساحة فدخلنا، وقال لنا الضابط: يقول المعلّم: معكم ساعة ونصف فقط لتخرجوا من الساحة مهما كانت نتيجة الحوار لأنّه ستبدأ العملية. دخلنا وبدأنا نشرح للمعتصمين خطورة الموقف وألقينا بعض الكلمات، وكان الجميع رافضاً الخروج من الساحة.

 

‏هنا جاء اتصال للشيخ سهل من “مناف طلاس” يحذّره من مجزرة وشيكة سترتكبها قوّات خاصّة جاءت من دمشق لأجل هذا الغرض وبحثا عن الهدوء. وبسبب الهتافات دخل الشيخ سهل بين مبنى البريد وبين مبنى سيرياتل ليكمل حديثه مع مناف.

وبعد أقلّ من عشرين دقيقة بدأ إطلاق النار بشكل جنوني وعمّت الفوضى في كلّ مكان وعلا التكبير.

 

‏انتظرت ربع ساعة والرصاص لم يتوقّف، وأنظر للخلف فأجد عناصر الأمن بأسلحتهم يتقدّمون للأمام باتجاه المكان الذي أقف فيه بحوالي 50 متراً، فقلت إن وصلوا إليّ قتلوني لامحالة، فهم كانوا يخطّطون لذلك حين أعطونا مهلة ساعة ونصف، وبدأوا المذبحة بعد عشرين دقيقة فقط.

 

‏خُطّة النظام كانت تقتضي حينها اعتقال أكبر عدد ممكن من المتظاهرين دون قتلهم، فكانوا يطلقون النار على الأرجل وعلى المحلّات المقابلة والمباني وفي السماء، ولو أرادوا قتل خمسة آلاف شخص في ذلك اليوم لفعلوا بسهولة، لكنّهم لم يفعلوا ولم يريدوا فعل ذلك.

 

‏أمّا الشيخ سهل فقد علق في مكانه بين المبنيَين مع عدد من الشباب قرابة عشرين لم يستطيعوا الخروج لشدّة الرصاص حتى خلت الساحة من المتظاهرين وقُتل من قتل واعتقل من اعتقل، وأثناء التمشيط وجدوا الشيخ ومن معه فأخرجوهم تحت وابل الضرب بالهراوات وأخمص البنادق والشتم والبصاق.

 

‏لقد ضربوا الشيخ الجليل على رأسه وركلوا عمامته وبصقوا عليه وجرّوه على الأرض من عند الساعة الجديدة حتى جامع الباشات أكثر من 700 متر سبّاً وشتماً وضرباً وكفراً باللهوكذلك الشباب الذين معه، فالشيخ “فارس سلمون” كسروا كتفه وشجّوا رأسه، وأحد المشايخ شقّوا رأسه 13 غرزة وكانت الدماء تسيل منهم، ‏حتى وصلوا بهم إلى الباصات على باب جامع “باشات”، فاعتقلهم عناصر الأمن وأخذوا هواتفهم ومتعلّقاتهم وأركبوهم بالباص، ثمّ جعل العناصر يركبون الباص فيضربونهم ثمّ يبصقون عليهم ثمّ ينزلون بالدور واحداً واحدً حتى جاء ضابط شرطة.

‏فقال: (ياخيي هذا الشيخ سهل.. هذا الشيخ سهل والله ماحدا بقرّب عليه على دمي)، ثمّ اتصل بقائد الشرطة على الجهاز اللاسلكي فأخبره أنّ العناصر اعتقلوا العلماء ومنهم الشيخ سهل والعناصر يضربونهم ويسبّونهم ويكفرون بالله.

 

‏حتى وصلوا لمكتب القيادة فتظاهر الضباط أنّهم متفاجئون، وقام العميد “محمد مخلوف” رئيس فرع أمن الدولة معتذراً، وجعل يغسل بيديه وجه الشيخ سهل ويقول: معذرة سامحنا ياشيخ مالنا خبر أنّك معهم حقك علينا.

 

‏فاشتدّ غضب الشيخ وقال له: بل تعرفون كلّ شيء، ما فعلتموه كان خطأً كبيراً وأنتم وضعتم البنزين على النار، وحمص بعد اليوم لن تكون حمص ماقبل.

 

‏هنا خرجت صيحات التكبير على بعض المآذن ونعت بعض المآذن الشيخ سهل جنيد شهيداً.

و‏هنا طلبوا من الشيخ سهل أن ينصرف ويعود إلى بيته ويبلّغ أهله وكلّ من يعرف أنّه حي يرزق فذهب تحت ضرب العناصر الأمنية وسبِّهم.

 

‏في اليوم الثاني طلبت منّي المخابرات الجوية أن نخرج على التلفاز في تصوير مسجّل لنقول أنّنا أحياء لتهدئة الناس تحت التهديد، فتكلّمت كلمة اجتزؤوا أغلبها، وهكذا فعلوا مع الشيخ سهل.

 

‏يسألني البعض عن عدد من استُشهد في ذلك اليوم، بعضهم يتكلّم عن مئات، وبعضهم يقولون: رفعوهم بالجرافات.

‏أعتقد أنّ عدد الشهداء في ذلك اليوم لم يبلغ عشرين شهيداً -رحمهم الله- خاصّة أنّنا في تلك الفترة كنّا نشارك في معظم الجنائز.

بقلم: محمود الدالاتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق