المقالات

قراءة في تحوّل موقف الاحتلال الروسي تجاه نظام الأسد

 

ضجت وسائل الإعلام المحلّية والدولية بالهجمة الإعلامية الروسية على نظام الأسد وأركان نظامه.

الهجمة الشرسة على رأس النظام الطائقي بشار الأسد تبنّتها “الوكالة الفيدرالية” التابعة للمقرَّب من بوتين الملياردير “يفغيني بريغوجين” المعروف بـ”طبّاخ الكرملين”، الذي يتزعّم ميليشيات “فاجنر”.

“الوكالة الفيدرالية” نشرت ثلاثة تقارير في أقلّ من ثلاث ساعات تحدّثت عن فساد نظام الأسد، وانعدام فرص فوزه في انتخابات 2021م، وأرجعت السبب إلى أنّ أكثر من ثلثَي السوريين يرفضونه.

 

تلا ذلك كلام قاسٍ للسفير الروسي السابق في دمشق “ألكسندر أكسينينوك” الذي أعدّ دراسة لمركز الأبحاث الروسي “RIAC” المقرَّب من وزارة الخارجية الروسية، جاءت فيها انتقادات واسعة لنظام الأسد مؤكّداً أنّه يعيش أسوأ حالاته، وزاد”يجب علينا أن نعيد التفكير بمستقبل سوريا وتحديداً في مصير قيادات النظام، فدمشق ليست مهتمّة بإظهار منهج بعيد المدى ومرِن بل تراهن على الحلول العسكرية فقط”.

 

ولعلّ روسيا أدركت متأخّرة فشل عميلها “الأسد” في حماية مصالحها أو قدرته على قيادة سوريا ما بعد الحرب، خاصّة في ظلّ وصول الساحة السورية لحالة من التوازن بعد التدخّل التركي الجادّ الذي عرقل مخطَّط الروسي بالحسم العسكري، فضلاً عن تصلّب الموقف الأمريكي سواء عسكرياً شرق الفرات أو في عزل نظام الأسد ومنع إعادة تأهيله سياسياً واقتصادياً، وذلك عن طريق إقرارها قانون “قيصر” ودعمها لتقرير منظَّمة حظر الأسلحة الكيميائية الذي أدان نظام الأسد وصدر أخيراً.

 

ولعلّه من الممكن استشفاف ذلك ممّا جاء في دراسة السفير الروسي “أنّه مع تقدّم قوّات نظام الأسد بدعم روسي في الشمال السوري إلا أنّ الحملة العسكرية الأخيرة على إدلب وضعت سقفاً للحدود التي لا يمكن تجاوزها، مشيراً إلى أنّ نظام الأسد مُنِيَ بخسـائر بشرية كبيرة في الفترة الأخيرة، فضلاً عن الخسـائر في العتاد، لافتاً إلى أنّ النظام لم يَعُدْ في مقدوره متابعة الأعمال العسكرية؛ نظراً لنقص العنصر البشري الأمر الذي كانت روسيا تُغطّيه من أجل مساعدة قوّات الأسد على الثبات والتقدّم، وأنّ نية روسيا في استعادة محافظة إدلب قد اصطـدمت بتصميم تركي كبير على عدم التفريط في المنطقة.

إلا أنّ روسيا في الوقت ذاته لا تبدو قادرة على الإقرار بهذا التنازل دون ضمان تحقيق بعض المكاسب، وربّما هذا ما دفعها للّجوء إلى الإعلام الرديف شبه الرسمي.

 

الهجمة الروسية على نظام الأسد ترافقت بخَطْب ودّ أنقرة بواسطة تصريحات عدّة مرحِّبة بالدور التركي عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقع بداية شهر آذار/مارس الماضي.

وكان آخرها ما صرّحت به المتحدّثة باسم الخارجية الروسية “ماريا زاخاروفا” الخميس الفائت من أنّ “الجماعات المسلَّحة” تعوق تسيير الدوريات، لكن تركيا تحاول إبعادهم.

وأردفت أنّ روسيا “تُثمّن مساعي أنقرة لإبعاد المسلَّحين عن منطقة الطريق”.

 

في الوقت الذي ترافق ذلك مع زيارة فيزيائية مفاجئة -في ظلّ أزمة كورونا- لجواد ظريف وزير خارجية الاحتلال الإيراني لدمشق الأسبوع الفائت التي بدت نوعاً من الطمأنة، وتشارُكاً للهموم في ظلّ ما تعانيه إيران هي الإخرى من تضيق وتحجيم لنفوذها في سوريا، الأمر الذي دفع تقارير إسرائيلية للربط بين التقارير الروسية والوجود الإيراني، وأنّ موسكو تقصد منها تحذير الأسد والضغط على الأسد للابتعاد عن الإيرانيين وإلا فلا مكان له على رأس السلطة.

 

وبطبيعة الحال فإنّه من غير المستبعَد أن ترضى روسيا بإقصاء رأس النظام الطائفي بشار الأسد في مفاوضات الحلّ السياسي مع إبقاء نظامه المتهالك بعد إجراء عمليات تجميل له، وذلك بهدف الخروج من حالة الاستنزاف التي تعانيها، والانسداد الذي تواجهه في تحويل مكتسباتها العسكرية لمكتسبات سياسية واقتصادية في ظلّ العرقلة الغربية لملفّ إعادة الإعمار وعودة اللاجئين ولإعادة تأهيل نظام. ولعلّ الدافع الرئيسَ في ذلك هو تجنّب مزيد من الحصار الاقتصادي المتوقَّع حصوله بعد تطبيق قانون “قيصر” الذي لا يبدو أنّ موسكو قادرة على مواجهته.

 

ومع ذلك فقد يكون من السابق لأوانه ومن التسرّع بمكان الحديث عن تحوّل جذري في موقف الاحتلال الروسي تجاه نظام الأسد، خاصّة أنّ لروسيا تاريخاً حافلاً في المراوغة والخداع، ودعم الاستبداد وصناعته، وليس قديماً ما جرى في الحرب الشيشيانية الثانية عام 1999م، وكيف اختلف خطابها السياسي والإعلامي وأوهمت المقاتلين الشيشانيين وأمّلتهم باتفاقية “خاسيا فورت” ثمّ انقلبت عليهم بحرب طاحنة لتقوّض أحلامهم بنيل الاستقلال.

 

إذ لا شيء رسمياً أو عملياً حتى الآن بخصوص تحوّل الموقف الروسي، وما تُدُووِل يبقى مجرّد تقارير إعلامية لا يمكن البناء عليها والجزم بها، حيث إنّها تحمل أهدافاً متعدّدة ورسائل حازمة لجهات مختلفة، وتضع كلّ الاحتمالات مفتوحة

وقد تعطي تلك التقارير دفعة معنوية للثوار السوريين، إلا أنّه من الخطأ التعويل عليها، خاصّة أنّها صدرت من قوّة احتلال قتلت الشعب السوري وارتكبت مئات المجازر بحقّه، وهي الآن تحاول تجميل صورتها بتشويه صورة عميلها “بشار الأسد”، وما هو في الحقيقة إلا أداة في يدها، وبيدق ارتكبت به العديد من جرائم الحرب وجرائم ضدّ الإنسانية، إلا أنّ دوره قد يكون انتهى الآن، ويجري تحميله كلّ السجل الحافل من الجرائم المرتكَبة، أو أنّ تلك التقارير مجرّد تحذيرات وتنبيهات وتلويح بالعصا -إن صحّ الوصف-.

إدارة التوجيه المعنوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق