البحوث و الدراسات

الصراع الروسي الإيراني في سوريا.. إلى أين؟

 

لا يخفى على أحد أنّ ملامح أزمة روسية إيرانية بدأت معالمها تطفو أكثر من أيّ وقت مضى على سطح المتغيّرات الدولية المؤثّرة في الثورة السورية، ومع أنّ تلك الأزمة بين الحليفَين المستعمرَين ليست جديدة؛ إلا أنّ جملة الأحداث العسكرية الأخيرة جعلتها تظهر جلياً في هذه المرحلة بعد زوال الأسباب التي كانت تؤجّل ظهورها(للأزمة) وأهمّها: حسم ملفّ “إدلب” الذي وصل إلى ما هو عليه اليوم مع استحالة إحداث أيّ خرق فيه بعد حرب المسيَّرات التركية الشهيرة التي كان لها الدور الأبرز في عملية الحسم بواسطة قلب موازين المعركة في خمسة أيام، وهذا يمثّل أبرز الأسباب الميدانية لإنهاء التحالف الميداني القائم بين الحليفتَين المتمثّل بتقديم المقاتلات الروسية الدعم الجوّي للميليشيات الطائفية الإيرانية وتعبيد الطريق أمامها للسيطرة على الأرض.

 

إنّ ادراك طهران لهذه الحقيقة جعلتها تدفع بكلّ قوّتها نحو خرق اتفاقية التهدئة في إدلب واستمرار القتال فيها، وذلك من أجل ضمان بقاء تحالفها مستمرّاً مع موسكو في هذه المرحلة العصيبة عليها، فنهاية التحالف يعني بالنسبة إليها تقسيم المقسَّم وتجزيء المجزَّأ مع موسكو التي بدورها توصلت إلى اتفاق صعب مع أنقرة بخصوص إدلب، والفرصة باتت مهيَّأة أمامها للتوجّه نحو مناطق النفوذ الإيراني لإحكام قبضتها عليها قدر ما تستطيع، وطهران ليست الآن في ظروف تسمح لها بالحفاظ على مناطق نفوذها.

 

ولمعرفة خفايا الصراع الروسي الإيراني في سوريا؛ علينا قبل كلّ شيء الابتعاد عن التقارير الإعلامية والتصريحات الكلاسيكية التي تروّج لفكرة أنّ التحالف بين الحليفَين قائم على أُسس إستراتيجية لا يمكن لأيّ طرف الاستغناء عن الآخر، فالموضوعية في هذا الجانب أنّ لكلّ طرف مطامحه ومصالحه الخاصّة التي بدأت تصطدم ببعضها البعض في كثير من الجوانب، أهمّها: سعي كلا الطرفَين إلى إحكام قبضته على جيش النظام المتهالك الذي لم يَعُدْ لإيران فيه إلا ميليشيا الفرقة الرابعة التي يقودها شقيق رأس النظام وأيضاً السيطرة على المناطق المشتركة ومحاولة كلّ طرف الاستفراد بها، عِلاوة على الضغوط الدولية المتزايدة على الوجود الإيراني في سوريا، وهذا ما بدأت موسكو باستثماره لصالحها بعدما كانت في موقع المتفرّج المحايد في المرحلة السابقة.

 

كان واضحاً في سلوك روسيا في الفترة الماضية محاولتها إبعاد الميليشيات الطائفية المدعومة من إيران عن المعارك الدائرة في الشمال السوري وتُوّج ذلك بوضوح عندما عزل بوتين نظيره روحاني عن حضور الاتفاق النهائي في إدلب، في خطوة تمهيدية لإبعاد إيران عن التأثير في أيّ قرارات مصيرية مستقبلية قد ترتقي إلى السمسرة على رأس النظام السوري عند انتهاء دوره في تحقيق المصالح الروسية.

 

بالعودة إلى إيران فإنّها الآن في ظروف مرحلية لا تسمح لها إلا بقَبول الفتات -هذا إن حصلت عليه- فهي محاصرة بالعقوبات الأمريكية التي أهلكت اقتصادها من جهة وبوباء كورونا المستشري فيها من جهة أخرى، ولم تَعُدْ تملك في جعبتها مقوّمات الاستمرار في الحفاظ على مكاسبها التي أنهك الحصولُ عليها اقتصادَها طيلة السنوات الماضية، ففي مدينة حلب -على سبيل المثال لا الحصر- الخاضعة لسيطرة ميليشياتها بدأت الأوضاع الأمنية تتفاقم شيئاً فشيئاً نتيجة اعتماد تلك الميليشيات على السرقة والسلب في تمويل ذاتها بعد انقطاع التمويل الإيراني المركزي، وفي دير الزور انشقّت ميليشيا “فاطميون” إحدى أكبر الميليشيات الإيرانية في المنطقة لصالح روسيا لنفس السبب.

 

إذاً هل ستصمد إيران أمام سيلان اللعاب الروسي في الاستفراد بصناعة القرارات المستقبلية المتعلّقة بسوريا وإخضاع مناطق سيطرتها تدريجاً شرقي البلاد وقرب دمشق؟ وهل تستطيع إبقاء نفسها ندّاً لحليفتها السابقة كما كانت في السنين الماضية، وهذا قد يتطلّب منها أن تكون مستعدّة لمواجهة عسكرية ليست سهلة ضدّ حليفتها وأطراف إقليمة أخرى اتّخذت قرار إخراجها من سوريا؟ أم أنّ دوامة الكبار ستغرقها وتحوّلها -في أحسن الأحوال- إلى ميليشيا كالفيلق الخامس تتعهّد بتنفيذ أيّ قرارات مستقبلية في سوريا دون أن تبدي أيّ انزعاج أو جعجعة وخاصّة بعد مقتل مهندس عمليات ميليشياتها المجرم “قاسم سليماني”؟

إدارة التوجيه المعنوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق