المقالات

الانفصاليون.. والثورة السورية

لم ينتظر أصحاب الطموح الانفصالي طويلاً بعد انطلاق الثورة السورية، حتى أعلنوا عن فشلها ودخولها في نفق مظلم وضياع بوصلتها؛ وذلك بهدف تعقيد الموقف الثوري وتعبيد الطريق أمام مشروعهم الانفصالي البائد، ففي أوج انتصارات الثورة السورية عسكرياً في بداية عام 2012م ومنتصفه بدأ الانفصاليون بالتمهيد على جميع المستويات وفي االأخصّ السياسية والعسكرية منها بهدف إعطاء أنفسهم الحقّ في سلك طريق خاصّ منحرف عن الثورة ومتعارض أيضاً مع نظام الأسد، وهنا أقتبس من مقال كتبه صالح مسلم ونشرته مجلة صوت كردستان بعددها السابع والستين تاريخ( شباط/فبراير2013م): “يمكننا تلخيص الموقف الكردي بثلاث مراحل وهي: المرحلة الأولى: وهي محاولة شدّ الأكراد إلى الاقتتال والانضمام إلى المجاميع المسلّحة لمحاربة قوّات النظام، لكن الكرد رفضوا حتى يتمّ الاعتراف الصريح بوجودهم وحقوقهم الديمقراطية والذي عجزت المعارضة عن تحقيقه نتيجة الضغط التركي، وأيضاً لن يستطيع الكرد الوقوف إلى جانب النظام السوري؛ لأنّه مارس عليهم كافّة أشكال القمع والتنكيل على مدى عقود، وهو ليس على استعداد للاعتراف بحقوقهم”، انتهى الاقتباس.

إذاً بهذه الكلمات وبهذا التاريخ بدأ المزاج الانفصالي ينحو باتجاه الانفصال، وهنا لا بدّ من التذكير أنّ الانفصاليين لم ينكروا أنّ ما حدث في تاريخ(2011/3/15م) هو ثورة أو انتفاضة كما يحلو للكثير منهم تسميتها، ولكن إن كانوا لم ينكروها فذلك ليس لأنّهم ثوريين ويريدون إسقاط نظام الأسد الفاسد، وإنّما لأنّهم وجدوا في الثورة الظروفَ الملائمة لإطلاق مشروعهم الانفصالي فركبوا موجتها حتى استشعروا أنّهم باتوا أقوياء -إن صحّ التعبير- و خصوصاً بعد ظهور داعش وتقديم أنفسهم لأمريكا حلفاء تستطيع الأخيرة الاعتماد عليهم في قتال تنظيم الدولة بعد رفض معظم فصائل الجيش الحرّ.

مهادنة داعش والنظام والانقضاض على الجيش الحرّ:

 

مع بداية عام 2014م بدأ الخطاب الانفصالي المعادي للثورة السورية يتصاعد ومعه تصاعدت الأحداث الميدانية على الأرض وخصوصاً في مناطق التّماسّ بين الانفصاليين وفصائل الجيش الحرّ في مدينة حلب وريفها الشمالي. وأتوقّع أنّ السبب في ذلك يعود إلى تلقّي الانفصاليين بعض التلميحات من إدارة أوباما تخصّ اعترافها بكيانهم الانفصالي، وربّما تكوّنت لديهم قناعة بأنّ الولايات المتّحدة الأمريكية لن تستطيع التخلّي عنهم لاستخدامها لهم في قتال تنظيم الدولة، فاستغلّوا ذلك التحالف معها بتضييق الخناق على الجيش الحرّ للحصول على مكاسب ميدانية مهمّة جغرافياً لمشروعهم.

 

الموقف غير الأخلاقي تجاه التدخّل الروسي:

 

اتّسمت ردّة فعل الانفصاليين بغير الأخلاقية إبّان التدخّل العسكري الروسي في سوريا، وبات موقفهم أكثر وضوحاً عندما تحالفوا مع قوّات النظام والميليشيات الشيعية نهاية عام 2015م وساندوهم في فكّ حصار بلدتَي “نبّل” و”لزهراء”، و لم يقف الموقف الانفصالي عند هذا الحدّ، وإنّما طلبوا من الروس قصف الجيش الحرّ في حلب وريفها الشمالي، مستغلّين الحملة الجوّية الكثيفة لها شمالي سوريا من جهة وهجوم الميليشيات الشيعية على ريف حلب الجنوبي انطلاقاً من جبل عزّان من جهة أخرى، فانقضّوا على مدن: تل رفعت، منغ، ومطارها، دير جمال، عين الدقنة، ضاربين عُرض الحائط جميع العهود والمواثيق التي كانوا قد أبرموها مع الجيش السوري الحرّ خصوصاً بعد تنفيذهم لكمينهم الغادر بحقّ أكثر من خمسين مقاتل من الجيش السوري الحرّ في بلدة “عين دقنة” أوائل عام 2016م، وتزامن هذا العمل مع سلسلة من الأفعال القذرة التي ارتكبتها الأحزاب الانفصالية بحقّ الثورة السورية مستغلِّة جملة من التقاطعات السياسية الآنية التي حاولوا استثمارها لصالح مطامحهم، وابرز تلك التقاطعات هي:

1- حالة التوتّر في العلاقات بين روسيا وتركيا التي سادت بين البلدَين بعد إسقاط الأخيرة للقاذفة الروسية بسبب اختراقها لأجوائها، وتهديد روسيا بإسقاط القاذفات التركية في حال تحليقها فوق الحدود، مما مثّل حظراً جوّياً بالنسبة إلى الانفصاليين فزادوا استفزازاتهم.

2- قدّم الانفصاليون أنفسهم حلفاء موثوقين ووحيدين للولايات المتّحدة الأمريكية في سوريا لمحاربة تنظيم الدولة.

3- استغلال هجمات النظام وميليشياته المكثَّفة بإسناد من الطائرات الروسية لتحقيق نصرٍ ما، وانشغال الثوّار بصدّ تلك الهجمات.

4- الوضع التي آلت إليه الثورة والثوّار بعد تخلّي القاصي والداني عنهم.

 

– إذاً لا شكّ بأنّ كلّ تلك التقاطعات السياسية وانعكاساتها العسكرية في الميدان كانت تصبّ في صالح الأحزاب الانفصالية؛ فشعرت تلك الأحزاب أنّها باتت قريبة من إعلان كيانها الانفصالي، وبدأت تعدّ لذلك بواسطة إنشاء المؤسَّسات والدوائر وغيرها من الأعمال التي ترسّخ لمبدأ الانفصال خصوصاً في مدينة عفرين وعين العرب، ولكن سرعان ما تبدّدت التحالفات على الأرض وزالت تلك التقاطعات، وبدأت تجري الرياح الدولية بما لا تشتهي سفن الانفصاليين.

إدارة التوجيه المعنوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق