المقالات

100 عام على ميسلون.. إسقاطات على الثورة السورية ومقاربات لأبرز مدلولاتها

 

وقد أظلّتنا اليوم الذكرى المئوية لمعركة ميسلون(م24/7/1920) التي تُعَدّ أيقونة في النضال والكفاح ضدّ المحتلّين والغزاة في التاريخ السوري ومبعث فخر واعتزاز للسوريين جميعاً.

يوسف العظمة ذلكم القائد السوري الفدائي والشجاع الذي تصدّى مع ثلّة صغيرة لجحافل الجيش الفرنسي وخاض ضدّهد معركة كان يثق هو ومن معه أنّ ميزان القوة مختّل فيها بصورة هائلة وأنّ احتمالات نجاته ورفاقه كانت شبه معدومة، ومع ذلك قرّر خوضها لتبقى ذكراها العطرة مخلّدة في سجلّ التاريخ ووجدان السوريين حتى يومنا هذا.

في هذه الذكرى لايمكن قراءة هذه المعركة وسلوك قائدها ورفاقه دون إسقاطها على الثورة السورية ومايحصل لها اليوم.

حالة الانكفاء العسكري والسياسي والوجداني الذي تمرّ به الثورة السورية عقب عشر عجاف لا شكّ أنّها ثمرة أخطاء داخلية وتنظيمية كبيرة وتخاذل دولي خارجي غير مسبوق وصراع مصالح لقوى كبرى، كلّ تلك المعطيات ساهمت بمجملها في حالة الجذر الثوري والإحباط الشعبي ومحدودية الخيارات أمامها.

لن أتشّعب كثيراً في سرد تلك المعطيات التي تسبّبت في حالة الانغلاق والاستعصاء اليوم، بل سأركّز على جانب واحد منها فقط.

في معركة ميسلون كثيرون نصحوا بطلها وأيقونتها يوسف العظمة -رحمه الله- حينها أنّه يسير إلى معركة خاسرة بامتياز، وربّما خالج بعضهم حينها أنّ مجرّد التفكير في هذه المعركة ومواجهة قوّة عظمى كالجيش الفرنسي هو محض جنون واستجلاب للبلاء على سوريا وأهلها، وربّما دار بخَلد بعضهم أن يتجنّبوا نقمة الفرنسيين عبر فتح مسارات سياسية وتفاوضية معهم حتى لو كانت عبثية أو لا نهائية.
لكن موقف بطل ميسلون وكلماته كانت حاسمة وعزيمته ماضية وجوابه مُفحماً وقاطعاً حيث قال: “لن أدع التاريخ يكتب أنّ غورو دخل دمشق بلا مقاومة”، وتابع قائلا للملك فيصل -رحمه الله-: ” جلالة الملك أوصيكم بابنتي فهي أمانة لديكم”.

هل يمكن عدّ كلمات يوسف العظمة هذه محض مزاودات فارغة لن تقدّم ولن تؤخّر، وتضرّ أكثر مما تنفع؟!
هل كان يوسف العظمة مجرّد مغامر متهوّر؟!
هل منصبه العسكري والسياسي وزيراً للدفاع في تلك الحقبة لم يتح له قراءة ميزان القوّة والتوازنات الدولية والإقليمية بوضوح؟!
هل قراره بالإصرار على معركة غير متكافئة وخاسرة كان قراراً خاطئاً ومتسرّعاً وغير مدروس؟!
هل كان يوسف العظمة ورفاقه مفتقرين إلى الواقعية السياسية والعسكرية؟!

لنطوي تسعين عاماً حاملين معنا نفس تلك الأسئلة، ولننتقل مباشرة للثورة السورية ونجول في بعض مفاصلها وأحداثها ومقارباتها، سنجد أنّ أوجه التماثل بين ما قيل يوم ملحمة ميسلون هو نفسه مايقال الآن للثوّار السوريين.

الفرق: أنّ قائد ميسلون حينها مضى مع كلّ المعوّقات، ودفع هو ورفاقه حياتهم ثمناً لهذا القرار والاختيار.

مضت معركة ميسلون، وأُجلِي المحتلّ الفرنسي عن سوريا لاحقاً، ونسي الجميع كلّ ما حصل في تلك الحقبة، ليبقى يوسف العظمة ورفاقه وحدهم آخذين بمجامع قلوب السوريين متجذّرين في وجدانهم وذاكرتهم رمزاً للبطولة والتضحية والنُبل والشجاعة والكرامة والوطنية.

الخلاصة: الوقوع في ازدواجية صارخة للمعايير والمقاربات باتت سمة بارزة هذه الأيام، فبعضهم هتف لما صنعه يوسف العظمة ورفاقه قبل قرنٍ من الزمان وعدّه بطولة نادرة وتضحية شُجاعة ومأثرة خالدة، هم أنفسهم قد يرون ما صنعته أو تصنعه الثورة السورية من إصرار على ثوابتها مع اختلال كلّ الموازين السياسية والعسكرية هي محض مزاودات لا واقعية ورعونة لا منطقية وعبثية لن تجرّ سوى مزيدٍ من القتل والخراب.

بقلم: ساجد تركماني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق