تحليلات

قراءة تحليلية.. جيفري.. وكأس السمّ التي سيتجرّعها الأسد

 

في زيارة لتركيا أدلى السفير جيمس جيفري المبعوث الأميركي إلى سوريا والعراق والتحالف الدولي لمحاربة «داعش» بتصريحات لافتة أخيراً وصفها مراقبون بالمتفائلة حول تطوّرات مثيرة تحيط بالملفّ السوري في الفترة الأخيرة.
وأوضح جيفري أنّه سيبحث من المسؤولين الأتراك مسألة عودة النظام السوري إلى طاولة المفاوضات والتعامل مع المجتمع الدولي مؤكّداً ضرورة انتهاء المرحلة العسكرية في الأزمة السورية.

وكان جيفري قد سبق زيارته لتركيا أثناء لقائه بعضَ ممثّلي وفد المعارضة في اللجنة الدستورية في جنيف بالقول لهم: مثلما تجرّع الخميني ما سمّاها كأس السمّ في أواخر الثمانينات، فإنّ كأسَ السمّ جاهزة لبشار الأسد، ونحن نعرف متى نجعله يتجرّعها.

من الواضح أنّ هناك تحرّكاً دولياً بدأ ينشط أخيراً في الملفّ السوري بالتزامن مع انطلاق الجولة الثانية لاجتماعات اللجنة الدستورية، فحديث جيفري عن وجوب انتهاء المرحلة العسكرية في سوريا والتهديد المباشر لنظام الأسد(ومن خلفه الروس) واستحضاره للخميني وحقبة الثمانينات يحمل في طيّاته مؤشّرات ورسائل عديدة تسترعي الانتباه.
فكلامه هذا قطعاً يشير إلى حرب السنوات الثمانية بين العراق ورئيسها الراحل صدّام حسين وبين إيران عقب هيمنة المعمَّمين عليها فيما أطلقوا عليه(الثورة الإسلامية).

من الصعب ملاحظة الجانب الإيجابي في هذه التصريحات المثيرة دون محاولة النفوذ للجانب الآخر فيها، إذ إنّ المآلات الكارثية لما وقع بعد تلك الحقبة ولّد انعكاسات سلبية ما زالت تتراكم حتى انتهى المطاف بورثة الخميني بالانسياح الكامل في المنطقة والسيطرة على أربع عواصم عربية تاريخية، في حين إنّ كأس السمّ التي جرّعتها الولايات المتّحدة حينها للخميني وإيران كانت الرئيسَ الراحل صدّام حسين وانتهت بتسميم حامل الكأس نفسِه وقتله ومن ثَمَّ غزو العراق واحتلالها لتبدأ بعدها مرحلة تمدّد سريع وواسع لإيران دون رادع في المنطقة العربية برمّتها.

وفي ظلّ غياب دور عربي مؤثّر وفاعل في الوقت الراهن تكون تركيا هي المرشَّح الأبرز وقد يكون الأوحد في هذه االمقاربة التي تحدّث عنها جيفري أخيراً، لا سيّما أنّ تركيا أصلاً منخرطة بطريقة مباشرة وكبيرة في الملفّ السوري ولديها وحدات قتالية عسكرية متموضعة في مناطق إدلب وشمالي سوريا، وقد فرضت تركيا نفسها أخيراً بقوّة في الملفّ السوري ونجحت نجاحاً لافتاً في حجز مكان لها ضمن اللاعبين الكبار المؤثّرين في هذا الملفّ.
لكن في نفس الوقت فإنًها ليست بتلك السذاجة التي تسمح باستغلالها ثمّ الالتفاف عليها كما حصل في مرحلة الثمانينات.

الجانب الإيجابي في تصريحات جيفري الأخيرة والمتفائلة أنّ هناك إشارات لحصول اختراقٍ ما في الملفّ السوري ستخرجه من حالة السُّبات الذي طغى عليه اخيراً وتعيده إلى دائرة الاهتمام الدولي عقب إهمالٍ ولا مبالاةٍ قاتلة استمرّت لمدّة طويلة.

الموقف الروسي في سوريا يزداد صعوبة وتعقيداً ويشير إلى بلوغ روسيا أقصى حدود ممكنة لها بعد خمس سنوات وسلسلة من المذابح التي ارتكبتها بحقّ السوريين، مذابح لم تُفضِ سوى إلى تأجيل سقوط نظام الأسد في دمشق مقابل فشل ذريع لها في إعادة تعويمه أو إقناع المجتمع الدولي بالقَبول به مجدَّداً أو حتى إقرار وجود دور أو مكان له في مستقبل سوريا، عِلاوة على عدم قدرة موسكو على تجاوز الحضور القويّ والمؤثّر لأنقرة في سوريا، وتزايد حجم المخاطر بسبب الاحتكاكات العسكرية المتكرّرة بينها وبين الولايات المتّحدة شرقي الفرات، فضلاً عن الضائقة المالية التي تعصف بروسيا عقب هبوط أسعار النفط بصورة حادّة وتفشّي وباء كورونا فيها بقوّة، وأيّاً كان طريقة الحراك السياسي الذي بدأت تظهر بعض ملامحه في الملفّ السوري فهو قطعاً لن يكون في صالح نظام دمشق ولا حلفائه الروس والإيرانيين.

إدارة التوجيه المعنوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق