المقالات

في ذكراها الأولى.. معركة “نبع السلام”.. بين تحقيق الأهداف وواقعية الأحداث 

في(التاسع من شهر تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي) أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن انطلاق عملية نبع السلام الرامية إلى تحرير الشريط الحدودي بطول 440 كم وصولاً إلى الحدود العراقية وعمق 30 كم من حزبَي البي كي كي والبي واي دي الانفصاليين.

وفي مساء اليوم نفسه بدأت الطائرات التركية بقصف مواقع الميليشيات الانفصالية ومعسكراتها في مدن “عين العرب وعين عيسى ورأس العين والمالكية”، ثمّ بدأت قواتنا في الجيش الوطني السوري بالتقدّم على الأرض والسيطرة على القرى في القطاع الأوسط لشرقي الفرات من محورَي رأس العين وعين عيسى بإسناد من المدفعية التركية برّاً والمقاتلات التركية جوّاً، ليُعلَن عن السيطرة على مدينة تل أبيض بُعَيد انطلاق المعركة بأيام قليلة ثمّ مدينة رأس العين في القطّاع ذاته.

 

انخفاض وتيرة الأعمال القتالية

 

ما إنْ أعلن جيشنا الوطني السوري السيطرة على مدينة رأس العين حتى بدأت تخفّ حدّة المعارك وكذلك وتيرة السيطرة على الأرض حتى توقّفت في تاريخ(17 تشرين الأول/ أكتوبر) أي بعد انطلاق المعركة بتسعة أيام، وذلك عقب انتهاء الاجتماع الذي جمع الرئيس التركي بنائب الرئيس الأمريكي، ليُعلنَ الجانبان عن تجميد العمليات العسكرية لمدّة 120 ساعة بعد تعهّد الولايات المتّحدة الأمريكية بسحب الانفصاليين إلى عمق 30 كم داخل الحدود السورية وهو ما لم يحدث.

 

دخول الميليشيات الروسية إلى مناطق الأحزاب الانفصالية

 

هناك عدّة عوامل أثّرت سلباً في عملية نبع السلام وأضعفت من زخمها الهجومي، وأهمّ تلك العوامل هو إدخال ميليشيا وحدات الحماية لميليشيا النظام السوري إلى مناطقها في محاولة منها لخلط الأوراق أمام الدول المؤثّرة وفي االأخصّ تركيا، فما أن شعرت ميليشيا وحدات حماية الشعب الكردي بجدّية القرار الأمريكي بالانسحاب من مناطقها حتى سارعت إلى عقد تفاهمات سريعة مع الروس في حميميم، لتُتَرجَم سريعاً تلك التفاهمات ميدانياً إلى دخول قواّت عسكرية رمزية من الأخيرة إلى عدّة مدن شرقي الفرات، أهمّها “منبج” و”عين العرب” اللتان تُعَدّان ضمن خطّة عمليات نبع السلام؛ فمدينة عين العرب تمثّل القطّاع الغربي شرقي الفرات ومنها توصل منطقتا عمليات غصن الزيتون ودرع الفرات في منطقة نبع السلام ومدينة منبج، هذا عِلاوة على مساحتها الكبيرة التي من الممكن لو أنّها حُرّرت فستستوعب مئات الآلاف من المهجَّرين.

 

العوامل التي أدّت إلى تعليق عملية “نبع السلام” 

 

مثّل دخول الميليشيات الروسية إلى المناطق التي انسحبت منها الولايات المتّحدة الأمريكية شرقي الفرات العائق الأكبر أمام تقدّم قوّات نبع السلام، زيادة على عدّة عوامل أخرى أبرزها:

 

أولاً: الضخّ الإعلامي السلبي الذي استهدف العملية منذ انطلاقتها.

 

لا يخفى على أحد الهجوم الإعلامي الدولي -غير مسبوق- الذي استهدف عملية “نبع السلام”، فما إنْ انطلقت المعركة حتى بدأت الماكينات الإعلامية المعادية لتركيا والثورة السورية بضخّ كمٍّ هائل من الأخبار الملفَّقة والتضليلية، حيث ذهبت بعض وسائل الإعلام العربية إلى تسمية عملية “نبع السلام” ب”التوغّل التركي شمالي سوريا”، وعمدت بعض الوسائل الإعلامية الأخرى إلى محاولة إظهار عملية “نبع السلام” على أنّها استهداف للمكوّن الكردي في سوريا كقناة سكاي نيوز الإمارتية، الأمر الذي دفع السفير التركي الدائم لدى مكتب الأمم المتّحدة في جنيف “صادق أرسلان” إلى مطالبة وسائل الإعلام العالمية بالكفّ عن ضخّ الأخبار المضلِّلة بشأن عملية “نبع السلام”، موضِّحاً أنّ العملية ترمي للقضاء على الممرّ الإرهابي المراد تأسيسه على الحدود الجنوبية لتركيا وإحلال السلام والاستقرار في المنطقة.

 

ثانياً: انقسام الموقف الأمريكي تجاه عملية نبع السلام.

 

انقسم الموقف الأمريكي حيال قَبول عملية “نبع السلام”، وقد بدى هذا الانقسام ظاهراً من تواتر تصريحات المسؤولين الأمريكيين المتناقضة منذ اللحظات الأولى لانطلاق المعركة، ليحصل التوافق لاحقاً على ما قدّمه نائب الرئيس الأمريكي أثناء مفاوضاته مع الرئيس التركي بواسطة هدنة المئة والعشرين ساعة التي جرى بموجبها إنهاء العقوبات الأمريكية على تركيا، لتعلنَ بعدها الولايات المتّحدة الأمريكية التراجع عن قرار سحب قوّاتها والبقاء في منابع النفظ والغاز شرقي سوريا.

 

ثالثاً: هجوم الميليشيات الروسية على مناطق جنوبي إدلب، واستغلال مشاركة مقاتلي الجيش الوطني في معركة “نبع السلام”.

خاتمة:

 

استطاعت عملية “نبع السلام” في أسبوعَين من تحرير مساحة 2000 كم مربّع من ريفَي محافظتَي الحسكة والرقة الشماليَين، ويُعَدّ هذا بحدّ ذاته مكسباً للثورة السورية عن طريق استعادة عشرات القرى والبلدات فيها مدينتا رأس العين وتل أبيض الحدوديّتَان مع تركيا، وإتاحة الفرصة لأهالي تلك المناطق بالعودة إلى منازلهم بعد أن هجّرتهم ميليشيا وحدات حماية الشعب، والأهمّ من ذلك هو عودة الأوضاع في المناطق غير المحرّرة إلى ما كانت عليه قُبيل انطلاق عملية “نبع السلام” عن طريق هدم كلّ الاتفاقيات التي أبرمتها ميليشيا الوحدات مع النظام السوري عن طريق روسيا، لتبقى فرصة استكمال المعركة قائمة في أيّ لحظة بتحرير القطّاع الغربي شرقي الفرات المتمثّل بصورة أساسية بمدينة عين العرب، ليحصل وصل منطقة “نبع السلام” بمنطقتَي عمليات “غصن الزيتون” و”درع الفرات”.

 

بقلم:

الرائد “محمد علوان”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق