المقالات

عجز الموازنة السورية في ظلّ حكم بشار الأسد

يُعَدّ عجز الموازنة أهمّ تحدٍّ تواجهه السياسة المالية القائمة، وتزداد المشكلة وضوحاً عندما تكون الإيرادات العامّة في أدنى مستويات تحصيلها، خاصّةَ في ظلّ غياب أسواق مالية حقيقية وتعطّل شبه كامل لعملية الإنتاج في القطّاعَين العامّ والخاصّ، وهنا يكمن الخطر الحقيقي والمستقبل القادم ينبّئنا أنّ الوضع المعيشي سيكون أكثر سوءاً.

المصرف المركزي السوري يموّل الإنفاق الحكومي، ومع تنامي زيادة الحاجة إلى الإنفاق، وقلّة تحصيل الإيرادات اللازمة للتمويل، وتوقّف عمليات التصدير، وعدم وجود مصادر للقطع الأجنبي، واقتصار دور المصرف المركزي سابقاً على التدخّل بائعاً للقطع في إستراتيجية عدّها ستحمي سعر الليرة من التهاوي، ممّا أوصله الى استنزاف الأحتياطي من القطع الأجنبي، وهو يتراوح اليوم بين الإعلان عن الإفلاس والإفلاس.

في الأحوال العادية تعمل السياسة المالية على تأمين الموارد المالية اللازمة لتمويل الإنفاق العامّ، وهي تعدّ السياسة الاقتصادية الأساسية للنشاط الاقتصادي لتحقيق أهدافه.

موارد الموازنة العامّة في سوريا تعتمد على ثلاثة مصادر أساسية:
– المورد الأول:
• الضرائب المباشرة: التي تتأتّى من الحِرَف والمِهَن التجارية والصناعية، وهي شبه متوقّفة اليوم، وضريبة الرواتب والأجور في ظلّ التضخّم وتدهور سعر الصرف لم يُعَدّ لها قيمة كبيرة قياساً على متوسّط راتب الموظّف السوري الذي يتراوح ما بين(50 – 60) ألف ليرة سورية، أي(20 – 25) دولار أميركي، زيادة على رسوم السيارات والتسجيل العقاري عند الفراغ وينطبق عليهم ما سبق.
• أمّا الضرائب غير المباشرة: فتتحصّل من الخدمات كالكهرباء مثلاً، وهي حلم كلّ مواطن سوري اليوم، والرسوم الجمركية على الواردات وحركة الاستيراد شبه معطَّلة، وتقتصر على بعض السلع الغذائية ورسم الانفاق الاستهلاكي، والمواطن السوري اليوم لا يستطيع تأمين احتياجاته الأساسية.. فأين المصاريف الكمالية؟!

– المورد الثاني:
يشتمل على إيرادات غير ضريبية، وهي إيرادات أملاك الدولة وبدلات الأملاك العامّة واستثماراتها، وقد جرى رهنها إلى روسيا وإيران بموجب اتفاقيات وعقود استثمار، وتفاهمات لعشرات السنين القادمة، وخرجت من حصّة الموازنة، زيادة على إيرادات النفط، وهي قسم خارج السيطرة، وقسم جرى منحه بموجب عقد أو اتفاق استثمار طويل الأجل لروسيا أو إيران، ويدفع النظام ثمن شراء النفط تهريباً عن طريق شركة قاطرجي داخل الأراضي السورية، والنفط يُعَدّ المصدر الرئيس للتمويل الذي تعتمده السياسة المالية العامّة، ورسوم الترانزيت عن طريق المعابر، حيث لا يوجد تجارة بينية مع دول الجوار، ولم تحصل الاستفادة حتى من معبر نصيب.

– المورد الثالث:
هو الإيرادات الاستثمارية، وتتكوّن بصورة رئيسة من فائض القطّاع العام الاقتصادي، فالمؤسّسات العامّة لديها ميزانية مستقلّة في جانبَي الإيرادات والنفقات وترتبط بالميزانية العامّة للدولة، والفرق بينهما يمثّل إمّا عجزاً أو إيراداً، واليوم جميع المؤسّسات العامّة في الدولة في الأغلب في حالة عجزٍ وعدمِ قدرةٍ على التشغيل وبطالة مُقَنَّعة يعيشها معظم موظّفيها.

في المجمل تدهور النشاط الاقتصادي في سوريا يسير بطريقة متسارعة بسبب الحرب والعمليات الأمنية التي يصمّم عليها بشار الأسد للحفاظ على كرسيّه غير مكترث لانعكاساتها على الشعب السوري، وعملية النقل والانتقال سواء كانت للأفراد أو للسلع في غاية الصعوبة وتتعرّض للحواجز ودفع الإتاوات على الطرقات، مّا يزيد من كلفة السلعة وسعرها على المواطن، وقد أُغلقت معظم المشاريع في مختلف القطّاعات كالسياحة والصناعة والتجارة والصناعة وحتى الحرفية والمشاريع الصغيرة والأصغر، وهذا له تأثيراته الكبيرة في التراجع في الإيراد الضريبي والنموّ الاقتصادي، ويمثّل عجزاً كبيراً على الموازنة والإيرادات في الوقت الحالي والمستقبل.
ومن الطبيعي أن يرتفع عجز الموازنة ارتفاعاً حادّاً، وأن يصل إلى مستويات قياسية ليست مألوفة بسبب الحاجة المتزايدة إلى الإنفاق العامّ والإنفاق العسكري، في وقت انعدمت فيه الإيرادات، وهذا أكبر من قدرة الاقتصاد السوري على تحمّله.

لا يستطيع النظام اليوم زيادة موارده بالإجراءات العادية كزيادة الإيرادات المحلّية عن طريق الضرائب وتحصيلها أو مكافحة التهرّب الضريبي عن طريق أقسام الاستعلام في وزارة المالية أو زيادة فرص الاستثمار أو ضبط الانفاق العامّ وترشيده؛ لأنّه في المحصّلة خارج سيطرته وضمن سيطرة الميليشيات، وأيضاً الخسائر الكبيرة التي تعّرض لها القطّاع العامّ والخاصّ وعدم قدرتهما على تسديد الضرائب، عِلاوة على العقوبات الدولية المفروضة على قطّاع النفط وخروجه عن السيطرة، وقطّاع المال والمصارف، والأزمة اللبنانية وانعكاساتها على الاقتصاد السوري، وقانون قيصر وملحقاته، ويتّضح أنّ المشكلة ستزداد تعقيداً وسيقتصر الحلّ على تمويل المصرف المركزي في ظلّ هذا الواقع المرير.

هناك أخطار حقيقة تهدّد الاستقرار العامّ في سوريا، ويتمثّل ذلك في تزايد أرقام العجز، واتضح في ميزانية 2021م، حيث وصل إلى نسبة غير مسبوقة في تاريخ سوريا مع انعدام لمصادر التمويل نتيجة الإصرار على مواصلة الحرب والبقاء على الكرسي وغياب أيّ إستراتيجية واضحة وعدم القدرة على الوصول إلى الأسواق العالمية وحتى أسواق الدول المجاورة، زيادةً على شعور عامّ لدى المواطنين السوريين بعدم الرغبة في تسديد الضرائب والرسوم وحتى فواتير الماء والكهرباء والهاتف، وعدم الرغبة في الإيداع لدى البنوك، بل زيادة السحوبات والقروض البنكية، ممّا أدّى إلى تراجع الاحتياطيات في المصارف وامتناع المقترضين عن السداد.

استمرار بشار الأسد في الحكم سيؤدّي إلى المزيد من التدهور الاقتصادي، وستزداد الأسعارُ والعقوبات الدولية وعدمُ استقرار سعر الصرف وارتفاعه والاستمرار في تمويل الإنفاق العامّ عن طريق الإصدار النقدي وطباعة العملة، ممّا سيؤدّي إلى مزيد من التضخّم الجامح في ظلّ غياب التمويل عبر الأسواق المالية، ولن تستطيع إيران وروسيا تمويل النظام بسبب أوضاعهم الاقتصادية، وسوف تستمرّ آلة الحرب والدمار، وستزداد سطوة الميليشيات، وستُرتَهن سوريا بالكامل ويبقى الأسد على كرسيّ البلاهة تائهاً ينتظر مصيره.

بقلم: د. محمد حاج بكري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق