أقلام الثائرين

شهداء النابالم.. الليلة الأخيرة

في تلك الليلة التي أتمنّى أن أحرق ذاكرتي كما احترقت أجسادهم لكي لا تستعيدها بعد ذلك.

كان شيء من الهدوء يعمّ الملجأ في ذلك الوقت المتأخّر من الليل، اتجهت مع أحد جيراني إلى مكان الموقد لنضع عليه إبريق الشاي لعلّنا نجد الراحة بعد يوم مضنٍ ومرعب، وما هي إلا لحظات ليخترق ذلك الهدوء صوت لصفير صاروخ ضخم و يرتطم في الأرض فتهتز كالزلزال، لكن هذه المرّة لم يرافقه صوت وضغط انفجار! 

تعلو بعض الأصوات “الحمد لله ما فجر”، كان ذلك هو الانتصار الوحيد بالنسبة لهم أن يسقط أحد الصواريخ ولا ينفجر.

تمرّ بعض الثواني لتعلوا أصوات بكاء لنساء وأطفال في الشارع متّجهين إلى الملجأ

حيث كانت المجموعة الأولى التي نجت من المحرقة.

دخلوا وهم يستنجدون أن نلحق بمن بقي،

لم يكن الملجأ المستهدَف يبعد سوى امتار قليلة عنّا.

سارعنا إلى النَّفَق الذي يصل الى الملجأ ليُرمى أمامنا أول جسد يحترق وننقذه لنعلم أنّ الصاروخ قد انفجر وأنّه يحمل مادّة النابالم الحارق.

بدأ الجميع برمي التراب على تلك المادّة اللعينة لعلها تنطفئ، فكانت تُخمد قليلاً لتعود وتشتعل في جميع أنحاء الجسد، لم يكن هنالك وسيلة سوى التراب، استطعنا إخمادها لكن لم نستطيع أن ننقذ تلك الروح!

لا يمكنني توصيف ذلك المشهد ببعض الجمل والكلمات، ولا يمكن لشيء وصف رائحة حرق الإنسان.

أعطاني أحدهم طرف بطّانية و بداخلها رجل مسنٍّ لنتجه به إلى مكان الإسعاف، بالكاد كان ذلك الممرّ المظلم يتّسع لشخصَين معاً.

كنّا نركض مسرعين فلا مجال للإبطاء لعلّ روحاً قد تنجو بعد كلّ ذلك الإجرام.

ذلك الرجل الذي طمست معالمُ الحرق وجهَه كان ينظر في عيني ويقول بصوت مرتجف: “ولادي.. ولادي”، عندها استطعت تمييزه.. هو جاري أبو محمد، فما كان منّي إلا أن طمأنته أنّهم بخير وسيخرجون جميعاً، وحينها لم أكن أعلم أنّه كان بجانبهم لحظة سقوط الصاروخ عليهم، ولا أعلم إن كان وصله خبر استشهادهم قبل أن تفيض روحه أم لا.

أوصلناه إلى مكان الإسعاف وعدنا، وتمنّيت لو أنّي لم أعُدْ لأرى الفاجعة مرّة أخرى.

هناك ملجأ آخر يحترق، ليس له مخرج أمان، وكان ذلك الصاروخ قد هدم مدخله وعلق به كلّ من في الداخل!

لم يكن يخرج منه سوى رائحة الموت وعويل النساء والأطفال في الداخل.

حقد الأسد وحليفه الروسي كان كبيراً؛ فلا تخرج الطائرة إلا بأكثر من صاروخ معاً لتستهدف أكثر من مكان. 

جميع من يقف هناك كان يتمزّق ألماً، الجميع يحاول إيجاد طريقة لإنقاذهم لكن دون جدوى.

لم تمرّ بضع دقائق حتى تنتهي الأصوات وتبقى النار مشتعلة، وتبقى أصواتهم ورائحة أجسادهم عالقة في أذهاننا متمسّكة بذكرياتنا.

انتهى كلّ شيء بالنسبة لتلك العائلة، انتهت حياة 50 جسداً جلّهم من الأطفال والنساء، وانتهت من بعدها تلك المأساة باتفاق الخروج من الغوطة الشرقية..

بقلم: صالح الحلبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق