المقالات

أَغلقْ النافذة.. واذهَب للحلم

العاشر من آذار، افتح النافذة، أتنفّس بعمق، شيء ما في الأفق، أهو الحلم وقد اقترب؟ أهي الحرّية قادمة بعد طول انتظار؟ يردّ من حولي عشر أعوام وأنت تردّد هذا المقولة.

عشرة أعوام يتساقط رفاق الدرب على الطريق، أين الشيخ أحمد حبوش؟ وأين رزان زيتونة ومي أسكاف؟ وأين سعاد كياري أمّ الثوّار؟

 أستعيد ذكرى رفاق المظاهرات وتلك الضحكات وصرخات الحرّية.. الركض في الشوارع والاختباء في الأبنية.. سقط الخوف الذي زُرع في الأعماق.

 أتذكّر طلائع البعث.. الفولار الأزرق وترديد الشعار الصباحي.. أن نقاوم العصابة ونقدّس الأب والابن.. لسعات عصا المدير في الصباحات الباردة.. مسيرات التأييد.. البصم على أوراق تقول نعم للقائد الأوحد.. العالم العلّامة.. بطل الزمان.

 عشر سنين ونحن نُقتل بصمت.

 عشر سنين ونحن نخطب ودّ الجميع، نسمّي جمع الثورة بصالح العلي وآزادي والجمعة الحزينة ولا أحد يهتمّ، نرقص حول شجرة عيد الميلاد في ساحة إدلب فلا يصدّقنا أحد، عشر سنين نقتل ونُصلب أمام أبناء بلدنا.. يذهبون إلى عملهم صباحاً، ويحتفلون بعيد الزواج. يتسوّقون ليلة العيد، ويقضون إجازة الصيف في كَسَب، ويرقصون في حفلات علي الديك.. حينها كانت حِمَم القذائف تتساقط فوق رؤوسنا وتمزّق الأطفال، وكان الأصدقاء الروس يمطروننا بالموت.. لم يتركوا سلاحاً لم يجرّبوه بنا.. ربّما نسوا القنبلة الذَّرّية.

عشر سنوات و نحن نصرخ في وجه العالم المتحضّر: لسنا أصحاب إرهاب، بل نحبّ الحياة مثلكم والأزهار.. نعشق الكرامة والنساء والحرّية. يأتي الردّ: ألا تصلكم الخيام وصناديق المعونات؟ ألا تُنظَّم لكم دورات الجندرة وحماية الطفولة والمرأة؟.. مثل القطط تأكلون وتنكرون!

 عشرة أعوام والتغريبة مستمرّة.. أمشي في شوارع البلد لم أعد أعرف أحداً، أصبح كلٌّ تحتَ نجمةٍ.

 عشرة أعوام كنّا نظنّه شعاراً يُكتب على الجدران “الأسد أو نحرق البلد”، انتشرت المقابر والركام والمخيّمات أينما رحلتُ.. نُهب كلّ شيء في القرى والمدن التي حلّ بها الجيش العقائدي.. لم يترك الغزاة من شجرها عرقاً أخضر ومن بيوتها سوى الجدران.

 عشر سنوات أستعيد الماضي القريب، قلت وصحبي للعقيد حسام سكر: لا نريد الحرب، طلبنا الحرّية والكرامة. ردّ: أوقفوا التظاهرات وانصرفوا.

قلنا: لا يدخل الجيش بلدنا، سيُقتل الجنود في الجبال.. هم أبناؤنا، رفض الأسد مقابلتنا.. كان يتابع هو والعائلة باب الحارة.

عشرة أعوام لا زال النظام يكذب على الأنصار: سنستعيد إدلب ونقضي على الثورة المزعومة، سياتي العالم إلينا يفتح السفارات ويدشّن معرض دمشق، ويديرون دولاب الإعمار، ستكون المدن بعدها كحال دبي وكوالا لمبور.

سنوات من الانتظار يصرخ المؤيّدون من الجوع.. يتساءلون: أين الوعود؟ أين الشباب؟ لماذا زُجّ بهم في هذا الأتون.. أصبحت قرانا والمدن بلا رجال.. نقضي نهارنا والليل في طوابير.. حلمنا الخبز وجرّة الغاز.

تردّ “أسماء ماري انطوانيت”: قريباً سيتوافر آي فون 12 الجديد.. افرحوا لقد سبقنا دول المنطقة.. لا يتجاوز سعره خمسة الملايين ليرة.    

إنّه الغروب.. الشمس برتقالة حمراء.. أغلق النافذة واذهب إلى الحلم.

بقلم: د. مأمون سيد عيسى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق