المقالات

الاقتصاد السوري.. والسقوط المتسارع نحو القاع

الاقتصاد السوري اليوم في حالة سقوط متسارعة نحو القاع، وقيمة العملة تقترب من الحالة الصفرية، وليس لدى النظام أيّ احتياطي نقدي أو أرصدة يدعم بها تدهور سعر الصرف، أو أيّ أمل في وصول معونات دولية وحتى من روسيا وإيران، وليس لديه خطط ذات مصداقية اقتصادية لإيقاف التدهور؛ بسبب فقدانه السيطرة على منابع الثروة، أو رهنها، والفساد المستفحل للعائلة الحاكمة، عِلاوة على أنّ كلّ الجهات التي يمكن لها أن تفكّر بالدعم لا ترى جدوى من صبّ الماء في سطل مثقوب.

إنّ درجة التضخّم المنفلت من عِقاله تهدّد الأسد وحكمه، وربّما أدّى ذلك إلى تفكيك البلاد وتقسيمها، وسنصل إلى مرحلة لن يستطيع النظام بها دفع مرتّبات الموظّفين، وإلى مرحلة انهيار المؤسّسات.

ومع أنّ عوامل اقتصادية كثيرة بنيوية لها دور كبير في ذلك، كعجز الميزان التجاري، وتكاليف الحرب، والعجز في ميزان المدفوعات، وتوقّف عملية الإنتاج، وتهريب الأموال إلى الخارج، والقبضة الأمنية، وغيرها الكثير، مع كلّ ما سبق إلا أنّ العامل السياسي يبقى هو الحاسم في هذه المرحلة من حياة سوريا وشعبها.

فلا يمكن لأيّ نشاط اقتصادي وازن أن يستمرّ في بيئة غير آمنة لا يكون الإنسان فيها آمناً على حياته وممتلكاته واستثماراته، وهذا ما يفسّر تحويل الأرصدة إلى عملة صعبة وإرسالها للخارج أو شراء الذهب، وأجزم أنّ الأسد وحاشيته أول من فعل ذلك.

حال نظام الأسد هو ديكتاتورية فوقها ديكتاتورية وتحتها ديكتاتوريات لا حصر لها، ومن الطبيعي أن تُشَلّ الدولة في مثل هذا الوضع، وأن يُؤَدَّى إلى تدهور الاقتصاد؛ كونه بطبيعته يحتاج إلى حرّية الحركة أثناء الممارسة، وإلى استقرار القوانين الناظمة له، والوضوح في التنبّؤات، فالدولة غير القادرة على فرض خِيارات اقتصادية واضحة وشفّافة، ولا تستطيع تنفيذ التزاماتها والسيطرة على مقدّراتها وثرواتها وقراراتها بسبب كثرة التدخّلات الخارجية المتحكّمة، فإنّ الاقتصاد لن يستطيع تحقيق أيّ تقدّم والانهيار سيكون واقعاً محتوماً.

تحتاج سوريا إلى قيام دولة مدنية ذات سلطة وسيادة بعيدة عن التأثير الخارجي في سياستها، إلى بيئة سياسية تشيع مناخاً من الهدوء والاستقرار ليس فقط من أجل إحلال السلام في ربوع سوريا  بل وقبل كلّ شيء وقف الصراع والحرب والتصدّعات الطائفية التي أفرزتها حرب الأسد المجنونة.

الخُلاصةُ: سوريا تحتاج إلى نظام حكم يختاره السوريون يترافق مع رحيل الأسد وجحيم وجوده، ومن الصراحة القول أنّ السوري اليوم لا يعرف من يحكم سوريا، نظام حكم يترافق كذلك مع إنهاء دور الميليشيات والفوضى، واتفاق السوريين على عقد اجتماعي جديد يكون فيه الانتماء للوطن حجر الأساس.

هناك معادلة شبه رياضية تؤكّد أنّه كلّما زاد الاستبداد والقمع والخوف من الحرّية تولّدت ظروف لنشوء حركات مضادّة أكبر في الاتجاه المعاكس، وأنّ زيادة اللجوء إلى القمع والإرهاب يؤكّد أنّ الحاكم يعلم أنّه مكروه ومرفوض من شعبه ومصيره محتوم، ولو امتلك ذرّة عقل لما أضاع عمر شعبه في مشاريع تنتج عكسها بالضرورة.

بقلم: د. محمد حاج بكري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق