Uncategorized

في ذكراها العاشرة.. ما أوجه الشبه بين الثورة السورية والثورة الفرنسية؟

يرى المؤرّخون أنّ الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789م الأهمّ والأكبر في وقائع العصر الحديث وثوراته، وقد اكتسبت تلك الثورة هذه الأهمّية من الآثار الكبيرة التي أحدثتها على مستويات مختلفة، منها ما هو متعلّق بالفكر والواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومنها ما يتعلّق بالجغرافيا والجغرافيا السياسية على الصعد العالمية والإقليمية والمحلّية. 

فما أوجهُ التشابه بين الثورة السورية التي تمرّ ذكراها العاشرة هذه الأيام وبين الثورة الفرنسية؟ مع العلم أنّ الأخيرة حقّقت الكثير من أهدافها في عَقدها الأول، ولكنّها مرّت بانتكاسات وعودة للحكم الدكتاتوري قبل أن تحقّق كامل ما تصبو إليه وتنجح في تحويل شعاراتها(الحرّية، المساواة، الأخوّة) إلى واقع في الحياة العامّة الفرنسية خاصّة والغربية عامة، تلك الشعارات تشبه إلى حدّ كبير شعارات الشعب السوري في ثورته، فلقد نادى بالحرّية والانعتاق من حكم عائلة الأسد التي كانت تحكم سوريا حكماً يشبه إلى درجة متقدّمة حكم عائلة بوربون لفرنسا قبل الثورة الفرنسية وأثناءها، ونادى شعبنا بالمساواة والأخوة عندما رفع شعارات من قبيل(واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد)  (إيد وحدة)، (ثورة لكلّ السوريين).

وعند التطرّق لأوجه الشبه بين الثورتَين لا بدّ من المقارنة بين الحالة الاجتماعية والاقتصادية في فرنسا وسوريا عند اندلاع ثورتَيهما، حيث ساد الفقر وظهرت الطبقات المجتمعية والبَوْن الشاسع بين كلّ طبقة، فكان للمشاكل الاقتصادية دور كبير في اندلاع الثورتَين وإشعال فتيلهما.

إنّ ما سبق من الأسباب المشتركة لنشوب الثورَين يبدو غير ذي شأن إذا ما حضرت أوجه الشبه في السياق العامّ للثورتَين؛ فكلتا الثورتَين وقعتا في فواصل تاريخية مهمّة جدّاً، فالثورة الفرنسية اندلعت على أعتاب الثورة الصناعية الأولى التي بدأت من بريطانيا الجارة عام 1760م، في حين اندلعت الثورة السورية على أعتاب الثورة الرقمية الثانية، إذ يتضاعف العلم مرّتَين كلّ سنة، وقد قفزت المعرفة أكثر من 200 ضعف في آخر 40 سنة.

وعلى صعيد المآلات فقد ساهم تزامن الثورة الفرنسية مع الموجة الأولى من الثورة الصناعية في تغيير طريقة الحياة الاقتصادية والاجتماعية وفي طبيعة الحال السياسية في العالم؛ فقد كانت البداية لانهيار الأمبراطوريات، وعزّزت الدولة القومية في شكلها الوطني، الدولة التي بدأت بالتشكّل بُعَيد مؤتمر “ويست فاليه”، كما أطّرت الثورة الفرنسية للنظام الرأسمالي الجديد، ووضعت أسس الديمقراطية بواسطة العقد الاجتماعي الحديث وقواعد السلطة والحياة العامّة التي وضعها منظّرو الثورة من أمثال” جان جاك روسو” و”جان شابتال” و”فكتور هوغو” و”فولتير”، وأصبحت تلك الثورة نقطة محورية لتطوير كلّ الأيديولوجيات السياسية الحديثة، كما أدّت إلى انتشار الليبرالية والراديكالية والقومية والاشتراكية والعلمانية.

كلّ ما ذُكر من النتائج والآثار ساهم في إنتاج النظام الدولي القائم بعد حربَين عالميّتَين أنهتا الإمبراطوريات الكبرى في العالم، فقد دخلت تلك الإمبراطوريات الحربَين العالميتَين الأولى والثانية وهي منهكة لعدّة عوامل، منها عدم قدرتها على مجاراة التطوّرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أحدثتها الثورة الصناعية والثورة الفرنسية في العالم في ظلّ تنافس وصراع حادّ بين نظام الإمبراطوريات ونظام الدولة الوطنية في معسكرَين انقسمت بينهما القوى العالمية المؤثّرة.

ولعلّ حجم تلك التحوّلات يجعل من الصعب التنبّؤ أو حتى تخيّل آثار الثورة الرقمية والثورة السورية اللتَين تجريان الآن في ظلّ صراع دولي جديد على السلطة والنفوذ في العالم تظهر بعض تجلّياته على الأرض السورية، لتبدو الثورة السورية عالقة -بفعل إعادة صياغة منطقتنا الأهمّ جيوسياسياً- على وفق نماذج، أَحدُها  يشبه إلى حدّ كبير نموذج الاتحاد الأوروبي الذي تحوّل لمنظومة أمن وتعاون سياسي واقتصادي تُعَدّ الأهمّ في النظام الدولي القائم.

ومع صعوبة التنبّؤ بالمستقبل للمنطقة في ظلّ التحوّلات الجارية، إلا أنّ الثابت هو عدم قدرة الأنظمة الشمولية في الشرق الأوسط على مجاراة التغيير والتأقلم مع الواقع الجديد؛ ما يجعلها خارج التاريخ، فالزمان دار دورته، والشعوب قالت كلمتها.. والثورة إلى انتصار لا محالة.

بقلم: أنس الخطيب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق