المقالات

ذكرى ميلاد حزب الموت

في(7 أبريل/نيسان 1947م) أُعلن عن ميلاد “حزب البعث العربي الاشتراكي” في سوريا.

هدا الإعلان كان إيذاناً بدخول سوريا حقبة جديدة من تاريخها، تركت آثارها العميقة وارتداداتها الواسعة على عموم المنطقة.

رفع مؤسّسو الحزب شعار(أمّة عربية واحدة ذات رسالة خالدة)، وأعلنوا مبادئ “الوحدة والحرّية والاشتراكية”.

وعلى مدى مسيرته الطويلة ارتبطت صورة الحزب بالاستبداد ومصادرة الحياة السياسية منذ وصوله للسلطة في سوريا قبل نحو ستة عقود.

كانت بداية تأسيسه حين قام كلٌّ من زكي الأرسوزي وميشيل عفلق وصلاح البيطار بدمج الحزبَين اللذَين حملا نفس الاسم(البعث) في حزب واحد تحت اسم حزب البعث العربي في دمشق عام 1947م، قبل أن يكمل اندماجه مع الحزب العربي الاشتراكي بقيادة أكرم حوراني عام 1952م، ليصبح اسم الحزب: “حزب البعث العربي الاشتراكي”.

وبذلك استطاع الحزب خداع السوريين في تلك الحقبة عبر شعارات الوحدة والحرّية، ليتسلّل للبرلمان السوري ويصبح ثاني أكبر كتلة نيابية فيه بعد انتخابات عام 1954م.

وفي(الثامن من آذار/مارس 1963م) سيطر الحزب على الحكم بانقلاب عسكري دموي، ومنذ ذلك الحين وهو يُحكم بقبضة أمنية ثقيلة ودموية، ويُقصي بمنتهى الوحشية كلّ من يختلف معه أو يقف في طريقه أو حتى ينازعه تفرّده المطلق، حيث تغلغلت هياكل الحزب وكوادره في مفاصل المجتمع لتهيمن عليه هيمنة كاملة بالتهديد والإكراه، وفي أحيان كثيرة بالحبس والتعذيب وصولاً للإعدام بواسطة محاكم عسكرية ميدانية.

حزب البعث في سوريا لم يكن كياناً سياسياً كغيره يلتفّ حولَ أفكار وبرامج بقدر ما كان تجسيداً لمصالح طائفية وظّفتها عائلة الأسد ومقرّبوها لإحكام قبضتهم على البلاد والعباد، حتى الجيش السوري لم يَعُد يخرّج تحت حكم البعث سوى ضبّاطاً مسيَّسين وطائفيين لا قادة محاربين.

وفي(21 كانون الثاني/يناير 2017م -وخلال الثورة السورية- قرّرت قيادة الحزب حلّ ما يسمّى “القيادة القومية” حلّاً نهائياً واستبدالها بمجلس قومي بعثي يرأسه بشار الأسد، وتذرّعت بضعف نشاط القيادة القومية وغيابها عن ساحة العمل الحزبي لعقود طويلة، وكذلك لتنفيذ مضمون القانون المخادع حول تأسيس الأحزاب السياسية الذي يحظر على الأحزاب في سوريا افتتاح فروع خارجية لها؛ لإيهام العالم حينها -وبأوامر روسية مباشرة لبشار الأسد- أنّ هناك مرحلة جديدة في سوريا تتمثّل بالانفتاح السياسي وحرّية تشكيل الأحزاب.

في هذه اليوم يطوي حزب البعث العربي الاشتراكي أكثر من سبعين سنة ذاخرة بالاستبداد والدم تحت شعارات برّاقة ظلّت على الورق، بينما على الواقع نُفّذ عكسها تماماً، ليقرّر الأسد الابن في تشرين الأول/أكتوبر 2018م حصر نشاط الحزب ضمن حدود سوريا فقط، ونزع الصفة القومية عنه، وهو تطوّر يُعَدّ إنهاءً لمشروعه التنظيمي العابر للحدود.

منذ وصول حزب البعث للسلطة في سوريا وهو مرتبط في الذاكرة السورية بالقتل والتوحّش والاستبداد والهزائم؛ ففي ظلّه وقعت أكبر هزيمة للعرب في التاريخ الحديث عام 1967م، التي سُمّيت(نكسة)؛ لخداع السوريين والعرب وتزوير الحقيقة وإنكار الهزيمة الساحقة.

وحتى النصر المزعوم الذي ادّعاه حافظ الأسد فيما يسمّى(حرب تشرين التحريرية 1973م) كان استمراراً لمسلسل الأكاذيب والخديعة التي ينتهجها الحزب والأسد، حيث خسرت سوريا في تلك الحرب أكثر ممّا خسرته في هزيمة 1967م.

تلك البروباغاندا السوداء لحزب البعث(الذي هيمن عليه الأسد الأب بصورة مطلقة)، وترويج الانتصارات الوهمية كانت مجرّد بوّابة فيما بعد، ليبدأ الحزب بقيادة أمينه العامّ حافظ الأسد أقسى مرحلة عاشتها سوريا منذ استقلالها وأكثرها وحشية ودموي، إذ كان لمدينة حماة حينها النصيب الأكبر عبر سلسلة مجازر ابتدأت بالسبعينات لتبلغ ذروتها عام 1982م بأبشع مجزرة وأكبرها تعرّضت لها المدينة المناهضة لحكم الأسد الأب.

ومن بعدها تتابعت حملات التطهير الطائفي الممنهج التي سلكها الحزب وصولاً  لعام 2011م، حين بلغ شعبنا السوري ذروة احتماله لتلك الحقبة السوداء التي عاشتها سوريا في كنف حزب البعث والأسد الأب ثمّ الابن، وتفجّرت الثورة السورية محطّمة حاجز الخوف وأسوار الرعب التي بنتها الأجهزة الأمنية القمعية للبعث والأسد طيلة أكثر من نصف قرن، ولتبدأ معها سوريا مرحلة جديدة لا يزال السوريون يقارعون فيها منفردين ومنذ سنوات عشر أعتى أنظمة البطش والإجرام في التاريخ المعاصر، ويقدّمون في سبيل التحرّر والانعتاق والخلاص واستعادة وطنهم المسلوب فلذات أكبادهم وكلّ ما يملكون؛ لأنّهم قرّروا شراء حرّيتهم وكرامتهم مهما غلا ثمنها وطالت محنتها، ولأنّهم أدركوا أنّ ما يدفعونه من ثمن باهظ اليوم دفعة واحدة لطالما دفعوا أضعافه طيلة عقود طويلة ومظلمة تحت نِيْر حزب البعث والأسد.

إدارة التوجيه المعنوي 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق