المقالات

شهداءٌ في الضباب

مضتْ تلك الأيّامُ المؤلمةُ في مآسيها، الجميلةُ في معانيها بما حوت من صورٍ مشرقةٍ وقصصٍ رائعةٍ كانت أخفت بعضها ولم تستطعْ إخفاءَ المزيد ممّا ترك أثاراً جميلةً حُفرت في القلوب واتخذت فيه مكاناً ومستقراً…

صورةٌ من مئاتِ الصورِ الرائعةِ التي سطّرها مجاهدونا وكتبوها بدمائهم الزكيّةِ لتبقى مناراتٍ وهَّاجةً تستضيء بها الأجيالُ من بعدهم …

كان أبو هاشم متردّداً في الكلام بدايةً، هل يُبيح لنفسه التحدّثَ ببطولاتٍ رآها عياناً وعاشها حياة ؟؟؟

أم يُبقيها أسيرةَ الأفئدة والقلوب حفاظاً على الأجر والمثوبة عند الله سبحانه ….

وبعد عِراكٍ مع نفسه خرج منتصراً عليها فقرّرَ أن يحدّثني بواقعةٍ عاشها مع ثلّةٍ مؤمنةٍ فقال:

“في ليلةٍ من ليالي الشتاء الباردة من شهر آذار لعام ٢٠١٥ م، وبينما كنت أرابط على حاجز الداخليّة، ومعي مجموعةٌ من الشباب الطيّبين يستيقظ علاءُ الدين من نومه بعد منتصف الليل فزعاً مرتعباً، أسرع إليه الشباب يسقونه الماء ويسألونه عن حاله وما الذي حدث له ….

لم يُجِبْ علاء الدين على أسئلتهم، بل سارع فاغتسل وصلّى ما شاء الله له أن يصلّي ثم جلس يقرأ القرآن إلى حين نوبته في الرباط من تلك الليلة …

ألحَّ عليه الشباب بالسؤال عمّا حصل معه لكنّه لم يُجِبْ ولم يتكلّم بشيء بهذا الخصوص . 

لم يكن علاءُ الدين بالشاب الملتزم التزاماً حقيقيّاً، كما لم يكن متفلّتاً أو مفرّطاً، فقد كان متوسط الحال في السلوك والعبادة …

لاحظَ الشبابُ انصلاحَ حاله تماماً وانعزاله للصلاة والصيام وقراءة القرآن وتغيير سلوكه بشكلٍ جذريّ نحو الأفضل …. 

بعد أسبوعين تقريباً كنّا على موعدٍ مع معركةٍ جديدةٍ مع النظامِ المجرمِ وكانت تحتاجُ لدراسةٍ واستعدادٍ واستطلاعٍ ضمن سرّيةٍ تامّةٍ بيننا كقادة، تمّت تسميةُ القادة الميدانيين للمعركة وكنت الرابعَ فيهم، طلبوا منّي الخروجَ للاستطلاع ولكنّي رفضتُ بدايةً ظنّا منّي أن لا ضرورة لذلك إذ يكفي ثلاثةُ قادةٍ للاستطلاع وأنا رابعهم سيكون دوري فيها جزئياً، لكنّي خرجت للاستطلاع معهم بعد الالحاح منهم عليّ، وفعلاً قمنا بما يتوجّب علينا من الإعداد والاستعداد والاستطلاع بعد أن حدّدنا محورَ العمل …

تقدّم إليّ علاءُ الدين وقال: إنَّ المعركة التي تحضِّرون لها هي على الفوج / ١٣٧ /، فتفاجأتُ وقلت له: لا، ليست على هذا المحور، وفعلاً لم تكن المعركةُ على هذا المحور، لكنّه أصرَّ وقال إنّ المعركةَ على الفوج وسيكون الدخول من جانب منزل (العميد الفلاني)في محورٍ يسمّى محور الطيار، لم أُجبه حينذاك فالخطط لا تشير إلى هذه الجهة التي يتكلّم عنها ولم نفكّر فيها بعد ….

وفي اليوم الثاني خرجتُ إلى غرفة العمليات وقد اجتمع بعضُ الشباب المجاهدين للنقاش في خطّة المعركة، وبعد الحوار اقترحَ أحدهم أن نغيَّرَ مسار المعركة إلى الفوج ((( 137 )))، ووافقه عددٌ من القادة الحاضرين ليبدأ الاستطلاعُ من جديدٍ ووضعُ الخططِ على الفوج ….

عادت بيَ الذاكرةُ لكلامِ علاءِ الدين وتذكّرتُ إصراره على مكانِ محورِ المعركة التي تمّ اعتمادها الآن فعلاً وذهلتُ من كلامه في الليلة الفائتة …

 كيف عرف ولم يكن الأمر مطروحا بعد؟؟؟

 وعند عودتي إلى نقطة الرباط سألته، لكنّه لم يجب وقال: إنَّ المعركة ستكون في الصباح في وقت ضباب…

 وكنّا نعتاد الهجومَ ليلاً، وفعلاً وبعد تخطيطٍ دقيقٍ قرّرَ القادةُ أن تكون المعركة مع بزوغ الفجر وحدَّدوا موعدَ المعركةِ ضمننا كقيادة …

كان علاءُ الدين يترقّب …

عند تحديد الخطّة طلبَتْ منّي غرفةُ العمليات العسكريّة اختيارَ الجماعةِ التي ستقتحم معي من نفس المحور، قمتُ مباشرةً باختيار عددٍ من الشباب الأبطال وتقصّدتُ عدمَ اختيارِ علاء الدين، لكنّه كان ينظر إليَّ ضاحكاً وهو يقول: أنا أوّلكم في المعركة…

 وبعد جدالٍ بيني وبينه قلت له: أنا القائد وعليك الطاعة ولن تخرج معنا، فقال: وأنا تحت أمرك ولكنّي سأشارك في المعركةِ بإذن الله …

ثارت الشكوكُ في نفسي، واستحضرت ذاكَ اليوم الذي قام فزعاً من نومه …

حتى إذا حلَّ موعدُ المعركةِ المتَّفقُ عليه وجاء وقتُ الانطلاق إلى المحاور المخصّصة أكَّدتُ على علاءِ الدين البقاءَ لحراسةِ المقرِّ، وعند الاجتماع في غرفة العمليات العسكريّة حصل حادثٌ لأحدِ المجاهدين وهو (معاون رامي القاذف)، فبدأتُ البحثَ عن شابٍ يكون في هذا الموقف وبهذه المهمّة، وسبحان الله لم أجد إلا علاءَ الدين، أو سوف يحصل خللٌ في المعركة، فأخذتُه معي مرغماً وتجمّعنا ليلاً في نقطة الاستعداد للمسير باتجاه أرض المعركة فقال لي علاء الدين: 

إنّي أعرف كيف ستبدأ المعركة ؟

وأين سأراكَ فيها ؟

وأين سأُقتل؟؟ 

وهذا ما شاهدته في المنام قبل حوالي شهرٍ تقريباً، وفعلاً وصف لي المكانَ بالضبط، ولم نكن نعرفُ المكانَ الذي وصفه من قبل …

 بدأنا المسيرَ ليلاً؛ وبحسَبِ خطّةِ المعركةِ كان علاءُ الدين من أوائل الشباب في المسير وأنا في آخر المسير، كان أمامي يمشي شابٌ قائدٌ عسكريٌّ اسمه:(أبو حذيفة)، من خيرة الشباب المجاهدين الذين قابلتهم في حياتي، وكانت تجمعنا صداقةٌ قوّيةٌ وكنّا نلتقي كثيراً، مع أنَّه كان يعملُ مع فصيلٍ آخرَ، وفي المسير حدّثني أبو حذيفة برؤيا كان قد رآها أثناء الاستراحة وقبل الانطلاق للمسير؛ رآى ملكاً من الملائكة وله أجنحةٌ كثيرةٌ كلّها بيضاءُ عدا جناحٌ واحدٌ أسود اللون، فسأل أبو حذيفة الملاكَ: لماذا هذا الجناح الأسود بين تلك الأجنحة البيضاء ؟؟ 

 فأجاب الملاك: هذا من كثرة ما نردُّ عنكم القذائف والشظايا …

أقسمَ عليَّ أبو حذيفة ألّا أخبر الناس بالرؤيا، فأجبته بأنّها رؤيا حقٌّ وهي بشرى، ولابدَّ من إخبار الناس بها، لكنّي لن أذكر اسمك أمامهم …

في الساعةِ السابعةِ صباحاً وصلنا إلى موقعِ المعركةِ وكان قد نزل الضباب وبدا الانتشار للهجوم وكانت مهمتي البقاءَ في آخر الصفوف وأكون آخر الاقتحاميين الداخلين، وبعد نصف ساعة وقبل أن نبدأ الهجوم بدأ العدو بقصفٍ رهيبٍ من جميعِ الجهاتِ لم نرَ مثله قط، وهو ما أدّى إلى إصابةِ قادةِ المحورِ الثلاثة وخروجهم من أرض المعركة، وكنتُ أنا رابعَ القادة وفق الخطّةِ، فاضطررت للتقدّم إلى الأمام لأبدأ الاقتحام، فرأيت علاءَ الدين يضحك كعادته في المعارك وكان قد أصيب إصابةً خفيفةً في ذراعه وربطها فقلتُ له ولبقيّةِ الشباب:

 أنا داخلٌ أمامكم والحقوا بي …

 كان علاءُ الدين بجانبي فأشار إليّ بيده إلى زاويةٍ في الطريق لابدّ من الدخول بجانبها إذ يوجد طريقٌ آخر، وعندما نظرتُ إلى المكان رأيت النقطة التي وصفها بالضبط فابتسم وقال لي: الملتقى الجنة بإذن الله …

دخلنا إلى ساتر الفوج فأصيب جميعُ مَن كان معي في المحور عدا شابٍ واحد، فاضطروا للخروج من أرض المعركة، فمنهم من أصيب مرتين، ومنهم من أصيب ثلاث مرات، لكن ليس لنا من خَيَارٍ إلّا المتابعةَ حتى لا تتعرّض بقيةُ محاور المعركة للخطر بانسحابنا، ولذلك كان لا بدّ من المتابعة في المعركة…

 تابعنا الهجومَ على بركةِ الله وبدأنا بكسرِ دفاعِ العدو بفضل الله، فكسرنا ثلاثةَ دشمٍ وبرجٍ وسيطرنا على خندقٍ واحدٍ وتقدّمنا باتجاه المستودعات، وفعلاً دخلنا إلى أحدها ولكنّ العدوَّ استطاعَ الالتفافَ علينا وكسر الجناح اليساري فأصبحنا في خطرٍ كبير ….

اضطرتْ جميعُ المحاورِ إلى الانسحاب عند الساعة الحادية عشر والنصف تقريباً، في طريق الانسحاب انقلبتْ علينا صخرةٌ عظيمةٌ لتهرس رجلي( حسن )، الذي كان معي وحاولتُ سحبه لكن دون جدوى، وكان العدو يقترب منّا و(حسن) يقول لي:

 “إيَّاك أن تتركني حيّا؛ اقتلني وانسحب ولا تدع المجرمين يأخذوني حيّاً”

يا إلهي ما العمل ؟!!!!

العدوُّ اقتربَ كثيراً، و(حَسَن) رِجلاهُ تحت الصخرة، وليس عندي استطاعةٌ لإنقاذه، ولا يمكن لي أن أتركه للأعداء …

تتزاحم الأفكارُ في مخيّلتي ولكن دون أن أجد مخرجاً وحلّاً يرضيني ويريح قلبي وضميري …. 

لحظاتٌ ربانيّة عشتُها متضرّعا إلى الله وقد حضر (أبو حذيفة) من المحور المجاور وأحضر معه (كريكو)، الذي تُرفع به السياراتُ بعد أن طلبناه من غرفة العمليات العسكريّة فرفعنا الصخرة عن (حَسَن) والحمد لله، إلّا أنّه (حسن) لن يستطيع الحراك من شدّة ما أصابه من الصخرة، فحملتُه على ظهري وبدأنا الركض باتجاه الوادي، وفي طريق العودة وأنا أحمل حسن على كتفي وأركض به رأيت (((علاء الدين))) مستشهداً في نفس المكان الذي أشار إليه بالضبط وقد أصيب بشظايا مدفعيةٍ في رأسه …

نزلنا إلى الوادي وكانت دباباتُ العدو في أعلى الوادي تحاول إصابتنا، وكانت هناك أرضٌ مكشوفةٌ لابدَّ من الركضِ فيها فقلت لأبي حذيفة:

ما رأيك أن نركضَ في ذاك الاتجاه حيث يوجد في آخره ساترٌ ترابيٌّ فما أن نصل إليه (أي الساتر) نكون قد تجاوزنا مرحلة الخطر فقال لي:

 أترى مساكب الزهور في الجانب الآخر ؟

 قلت: نعم .

قال: هناك رائحةُ الجنّة …

أنا أركضُ إلى هناك من هذا الطريق وأنت تركضُ ومعك (حَسَن) باتجاه الساتر حتى يتشتّتَ العدو في ضربنا، وفعلاً؛ ما إن قفزتُ إلى قلب الساتر ورفعتُ رأسي حتى رأيتُ ما حصل (((لأبي  حذيفة)))، وقد أصيبَ بطلقةِ شيلكا في صدره وقد استشهد في المكان الذي أشار إليه وقال لي” هناك رائحةُ الجنّة” 

عند وصولي إلى باب المشفى الميداني نظرتُ إلى (((حَسَن))) وكان يضحك ويقول: جزاكم الله خيراً، وأرجو أن تكون في ميزان أعمالكم، ثمَّ دخل في غيبوبةٍ ليخرجَ من غرفةِ العملياتِ الطبّيّةٍ شهيداً ضاحكاً مستبشراً…

مضى الشبابُ شهداءَ بعد أن تمنّى كلُّ واحدٍ منهم الشهادة ليلاقوا ربّهم وهم في أحسن حال ….

رحم الله شهداءنا الذين كانوا مناراتٍ مضيئةً في طريق العزّة والكرامة وحالهم يقول : { مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } ( الأحزاب: 23).

تلك هي ثورةُ الشامِ المباركة، وهؤلاء هم شبابُها ومجاهدوها الذين حاكوا الرعيل الأول بشجاعتهم وثباتهم وقوّة إيمانهم …

بقلم: عمر حذيفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق