أقلام الثائرين

لا تُسْلموا الشباب لموت جديد

في إحدى سنواتِ الجامعة وقعتُ على رواية من روايات أدب السّجون وكانت رواية “شرق المتوسّط” لعبد الرحمن منيف. قرأتها حينها في ليلةٍ واحدة، وأذكر جيدًا كيف كنت أمرّ على تفاصيل التعذيب والوحشيّة المُزعجة والمرعبة، فأتوقّف عن القراءة بين كلّ صفحتين، أغلق الكتاب وأقومُ من مكاني، أتحسّس جبهتي وحرارةَ وجهي، وأدور حول نفسي من شدّة الغيظ والعجز. 

بلا دقيقة نوم، دخلت في الصّباح الآتي إلى محاضرةٍ ما، وللصّدفة، قادَ الحديث المتشعّب الأستاذَ إلى الحديث عن الرّبيع العربي ومآلاته. يقول بصوتٍ كسول وفجٍّ في الوقت نفسه، إنّ شعبًا ما (…) كانَ يجب عليه ألّا يثور على نظامه القمعيّ المستبدّ، وأنّ هذه ليست ثورةً بل “فورة”، وأنّ الإصلاحَ الناجح والحقيقي هو عمليّةٌ لا بدّ منظّمة ومدروسة ومحسوبة ومقروءة ومكتوبة ومبوّبة ومعلّبة. عدا ذلك، فهؤلاء الثوّار من الشباب و”المراهقين”، ليسوا سوى مخرّبين وهمجًا وجهَلة. 

كلّ ما دار في ذهني وقتها كان الآتي: ليت جيلك الميّت، يصمتُ تمامًا. ويدع الشباب و”المراهقين” ينجون من الواقع الذي سلّمتموه إياه، ولو بالموت. 

لقد فتحنا أعيننا على عالمٍ خرِب مشوّه، بلا لون ولا طعمٍ سوى لون الدمار والدم والقمع والفساد، حتّى لم نعد نألفُ ألوانًا أو مشاهدَ أخرى. وما زال مثلُ هذا، يتوقّع أن ننتظره عقودًا طوالًا، ونمنحه أعمارنا مهلةً، لينهيَ احتساء قهوته، وتدخين سيجارته، ويتكرّم علينا بمخطط إصلاحي سلمي وكيوت، ومُقترحاتٍ نمرّرها تحت أختام الجلادين، ومباركةِ المحتلّين والقتلة، نطالبهم فيها ألّا يدوسوا على رقابنا. وحتّى ذلك الحين، لا بأس في أن يموت الناس. لا بأس في أن يموتَ الجميع في الحقيقة. لا بأس في أن تسقُط أوطان وحضارات كاملة.

ما أسهلَ التنظير، وما أسخفَه، حين يُسقط عليك مبادئَ تبدو من الجنّة، بينما تقرأ واقعًا يكاد يكون أبشعَ من جهنّم.

الآنَ أشعر للمرّة الأولى، أنّي لا أحتمل أيّ خطابٍ سادَ قبل خطاب الثورة والمقاومة، وخارج حدودهما، ولا أصبر على نقاشه أو حتّى سماعه. وأنّ كل طرحٍ دونهما سيعيدنا ويغرقنا في شعور العجز الخانق، وانتظار المجهول، والمراهنة على إصلاحٍ غائبٍ لا نعرف القائمين عليه.  

العمر أقصر من هذا، والأرضُ أوسع من هذا، والظالمُ أحطّ وأدنى من أن يُمنح كلّ هذه الأرواح والقرابين على طبقٍ من الهوامش والمتون المرتجفة، والصّمتِ المعيب.

بقلم: مريم الصفدي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق