المقالات

المتلازمات الذهنية التي أسقطتها درعا

 

لا يسعني في البداية ضرب الذكر صفحاً عن ضرورة التنويه على أنّ العالم يتغيّر من حولنا في حركة متسارعة لم نعهدها من قبل.

وكثير من المستحيلات والمحالات العقلية تم كسرها في العقد الأخير.

بل أجدني أمتلك الشجاعة للزعم أنّنا نمرّ بمرحلة تاريخية جديدة يصعب التنبّؤ بمآلاتها، وهو ما يعني أنّ أيّ قراءة وفق المعطيات القديمة والعقلية القديمة والثوابت القديمة قد تكون محض مجازفة.

بدليل: أنّ كلّ القراءات والتحليلات وطيلة عشر سنوات من عمر الثورة السورية جميعها فشلت في استشفاف المستقبل، أو الجزم بشكل النهاية، أو القطع بالحقيقة، أو حتى تقديم دراسة تحليلية استشرافية تطابق الواقع أو حتى تقاربه.

ولعلّ ما يحصل في درعا هذه الأيام يعتبر من الشواهد القوية التي يمكن الاستدلال بها حول ضرورة فكّ الارتباط التحليلي الرغبوي للثورة السورية مع المتلازمات الذهنية التي يتم وفقها بناءُ التصورات والتحركات والإستراتيجيات.

 

المتلازمة الذهنية الأولى: وتقوم على تصوّر أنّ المشروع الروسي في سوريا متنافر مع المشروع الإيراني، وفق هذه السردية بنت بعض المؤسّسات والشخصيات السياسية الثورية -للأسف- رؤيتها للدور الروسي في سوريا وميزته عن الدور الإيراني، بل وذهبت أبعد من ذلك في تصوّراتها حين اعتقدت وجود عداوة، أو لنقل عدم اتفاق بينهما في سوريا، وتعاطت مع الروس وفق التسليم لهذا التصوّر، وتجنّبت في كثير من الاستحقاقات السياسية تعريف العدو الروسي كمحتلّ، بل اعتبرته في كثير من الأحيان أنّه ضامن محايد، ودون ملاحظة أنّ الدور الروسي في سوريا يتطابق مع الدور الإيراني في أهم نقطة تتعلق بالثورة السورية، ألا وهي تثبيت حكم بشار الأسد والقضاء على معارضيه، مع إقرارنا باختلاف التطبيقات على الأرض وكذلك الوسائل، ولعلّ الفارق الأبرز في هذه المسألة يكمن في قضية مشروع التغيير الديمغرافي الذي هو من أساسيات المشروع الإيراني في سوريا والمنطقة، بخلاف الرؤية الروسية التي لا إشكال لديها مع السكان الأصليين ما داموا هم خاضعين لحكم الأسد.

 

الوحشية والدموية الروسية لم تختلف بالمجمل عن الوحشية والدموية الإيرانية، بل إنّ ما قدّمته روسيا لنظام الأسد عبر سلاح الجوّ لديها وتدمير المدن والبلدات الخارجة عن سيطرته، وإحراقها بمن فيها، والاشتراك في محاصرتها وتجويعها هو أكبر بكثير مما قدمته إيران، فالأخيرة ورغم الزجّ بكلّ ثقلها الميليشياوي والنظامي الطائفي ضدّ الثورة السورية، لكنّها فشلت في تحقيق أيّ إنجاز مهم حتى تدخّل سلاح الجو الروسي في 2016م، واتباعه سياسة الأرض المحروقة، وتجربة أكثر من 300 سلاح روسي على لحوم وجماجم السوريين.

 

المتلازمة الذهنية الثانية: بناء التصورات والإستراتيجيات السياسية الثورية وفق ثابت وهمي يقوم على الجزم بوجود عداوة غير قابلة لتقاطع المصالح بين العدو الصهيوني وإيران، وبالتالي تصور استحالة قَبول العدو الصهيوني ومعه الولايات المتحدة وبعض الدول العربية بسيطرة إيران على الجنوب السوري، وهو ما ظهر خلافه في الهجمة الأخيرة على درعا، وما صاحبها من مواقف دولية باهتة وغير مكترثة، إضافة لغياب تام لأي اعتراض رسمي أو غير رسمي إسرائيلي.

 

المتلازمة الذهنية الثالثة: بناء التصوّرات السياسية على مواقف بعض الدول العربية، باعتبار أنّه من الطبيعي أن يكون المشروع الإيراني الذي يحكم السيطرة اليوم على أربعة عواصم عربية، أنه بالنسبة إلى تلك الدول يعتبر المهدّد الأول للأمن القومي العربي، وبالتالي يجب أن يتقاطع بالضرورة مع أهداف الثورة السورية التي تصنّف إيران كعدوّ أول، وخاضت معها أشرس الحروب والمعارك طيلة سنوات، وكانت قادرة على كسر مشروعها التوسّعي، ووأده في سوريا لولا التدخّل الروسي الوحشي، والانكفاء العربي عن دعم ومساندة الثورة السورية، هذه السردية أيضاً سقطت في درعا حين شهدنا بعض دول الجوار تسارع لتحسين صورتها ومد جسور المودة مع بعض الميليشيات الطائفية الأكثر دموية وحقداً وخضوعاً لإيران، في إشارة واضحة لرغبتها في ضمان استقرارها بالتوافق مع إيران.

 

ما حصل ويحصل للثورة السورية خلال عشر سنوات يستدعي بشكل ملحّ ضرورة كسر النمطية الذهنية التقليدية التي تقوم على بناء التصوّرات وفق قواعد سياسية وذهنية قديمة ربّما لم يَعُد لها وجود سوى في عقليتنا التحليلية والرغبوية.

 

بقلم: ساجد تركماني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق